رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٢ - في الردّ على ما استدلّوا به للكلام النفسي

نيّة السوء والحسن، وأنّ معناها على الظاهر: إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه من النيّات الحسنة والقبيحة يحاسبكم به اللََّه، وهكذا جميع ما ورد بهذا المضمون من الآيات والروايات.
وقد أيّدوا هذا الوجه بقول القائل: إنّ في نفسي كلاماً لا اُريد إبرازه.
وفيه: أنّ المراد منه في أمثال هذه المقامات أنّ المعاني التي رتّبها في النفس لا يريد إبرازها كما كان يبرزها بالكلام فيما لو كان في مقام الإبراز، هذا مضافاً إلى أنّا لا ننكر وجود الكلام في النفس وجوداً تصوّرياً قبل وجوده الخارجي، كغيره من الأفعال الاختيارية على ما سيجي بيانه‌[١]، وإنّما الكلام في وجود أمر آخر غير العلم ونحوه من الاُمور النفسانية مسمّى بالكلام النفسي، وليس في شي‌ء من الآيات المزبورة والتأييد إشعار بذلك، فضلاً عن الدلالة.
الوجه الرابع: هو أنّ كل متكلّم ولا سيّما لو كان مخاطبه من ذوي المراتب العالية لا يصدر الكلام بالبديهة والصدفة، بل لابدّ له من التروّي وترتيب الكلمات والجمل وتنظيمها في النفس ثمّ إلقائها إلى المخاطب، وكثيراً يشاهد هذا في الموارد التي تكون فيها عناية خاصّة بالألفاظ، كالخطابة والشعر وغيرهما، فهذا المرتّب والمنظّم في النفس أوّلاً هو المقصود من الكلام النفسي.
والجواب عنه: أنّ هذا التروّي والترتيب في النفس لا يختصّ بالكلام، بل كلّ فعل صادر من الفاعل المختار الملتفت يتوقّف صدوره منه على تصوّره والعلم به وترتيبه، وحينئذ لابدّ للأشعري من الالتزام بأنّ كلّ فعل صادر من الفاعل له فردان: فرد خارجي وهو ما يصدر عنه في الخارج، وفرد نفسي وهو تصوّر ذلك الفعل الخارجي، فتنقسم الكتابة والمشي والقيام إلى خارجي ونفسي، ولا نظن أن‌

[١] بعد قليل.