رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٥ - الكلام في الروايات التي توهم دلالتها على الاضطرار

الثانية: قد وقع النزاع والخلاف في تفسير الطينة، فقد ذهب بعض إلى أنّ المراد بها ما هو الظاهر منها، وهو التراب الممتزج بقليل من الماء، وهذا هو الذي نختاره، وقريب منه ما فسّرها به بعضهم من أنّها المواد والصور المعدّة للنطفة.
وربما يظهر من الآخرين الفرق بين استعمالها فيما قبل الحياة الدنيوية وما بعدها، فاختار كون المراد بها في الأوّل أحد المعنيين المذكورين، وفي الثاني المادّة المستديرة الثابتة بعد الممات وفناء الجسم.
فإذا عرفت المقدّمتين فنقول: إنّ اختلاف الطينات بحسب الشقاوة والسعادة وإن كان ظاهراً من الأخبار[١] إلّاأنّ هذا الاختلاف في الطينة لا يرتبط بالجبر والاختيار أصلاً، لأنّا قلنا في المقدّمة الثانية إنّ المراد بالطينة ليست إلّاما يظهر من لفظها، وهو ليس قابلاً لجعل الشقاوة والسعادة فيه، فإنّما هي شي‌ء جامد لا تحسّ ولا تشعر، ومحلّ الشقاوة والسعادة إنّما هو الأرواح، وقد دلّت الروايات‌[٢] على أنّ التكليف قد توجّه إليها حال كونها مختارة، فعليه يكون اختلاف الطينات كاشفاً عمّا اختاروه في عالم العهد، فلا تنافي خصوصية الطينة التي اكتسبها باختياره في عالم التكليف الأوّل وهذا العالم كونه مختاراً.
وهناك روايات اُخر يظهر منها كون الطينة هي المؤثّرة[٣]. والجواب عنه واضح، وذلك لأنّ الروايات الدالّة على تأثيرها قد صرّحت بتركّب كل طينة من جزأين: أحدهما مقتضي الشقاوة، وثانيهما مقتضي السعادة، فكلا الوصفين بالنسبة إلى اختيار العبد على السواء، هذا.

[١] راجع بحار الأنوار ٦٧: ٧٧ وما بعدها (المقصود ج‌٦٤ حسب الترتيب القديم).
[٢]لعلّ منها ما في المصدر المتقدّم: ٩٣ / ١٤، ١٥، ٢١.
[٣]منها ما في المصدر المتقدّم: ٧٨ / ٧، ٩.