رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٨٤ - في التكلّم في الآيات التي توهّم دلالتها على الاضطرار

حقد المعاندين وحسدهم بالضرورة، وإن كان المراد به الكفر وعدم الخضوع للحقّ فالأمر أيضاً كذلك، فإنّ كفر الكفرة يشتدّ لا محالة بمعارضة الإسلام ومعاداته.
فالغاية من بعث الرسول وإنزال الكتاب وإن كانت هداية الناس أجمعين، إلّا أنّ من أعرض عن الدين واتّبع شهواته ولم يكترث بغير الحياة الدنيا وعارض النبي الأكرم وشريعته يزيد طغيانه وشقاؤه، فالمؤمن باتّباعه الحقّ واختياره الإيمان يصل إلى مرتبة الهداية والفلاح، كما أنّ الكافر باتّباعه الباطل واختياره الكفر يزاد في كفره وشقائه، وكلّ ذلك مستند إلى الاختيار (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)[١].
الثاني: الآيات الواردة في وقائع شخصية، كقوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)[٢] وغيره ممّا ورد في أشخاص مخصوصين وأقوام معيّنين.
والجواب عنها: أنّ أكثر هذه الموارد محفوفة بالقرائن السابقة أو اللاحقة من نفس الآيات من أنّهم اُنذروا واُبشروا بتعاليم الدين، كقوله تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى)[٣] ولم يعتدّوا بها بل غرّتهم الحياة الدنيا فاختاروا الكفر والعصيان، هذا فيما لو كانت الآية ظاهرة في تحقّق ذلك منهم، وأمّا فيما لو كانت دالّة على لحوق الشقاء وأنّ مصير الشخص الخاصّ أو قوم إلى الشقاء، فقد قلنا إنّه إنّما أخبر اللََّه تبارك وتعالى بوقوع الشقاء منهم بمباديه الاختيارية.
الثالث: ما ورد من كون جميع ما كان وما يكون وما هو كائن ثابت في اُمّ‌

[١] الإنسان ٧٦: ٣.
[٢]المسد ١١١: ١.
[٣]فصّلت ٤١: ١٧.