رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٩ - في بيان المذاهب في أفعال العباد

العبد إلى القضاء والقدر.
الثاني: مذهب المفوّضة[١]، وهو يقابل المذهب الأوّل مقابلة تامّة، حيث يرى الذاهبون إليه عدم استناد الأعمال والأفعال إلى اللََّه تبارك وتعالى بوجه من الوجوه، وأنّ العبد هو الفاعل التامّ المستقلّ في جميع شؤونه، وليس للََّه‌ عزّ سلطانه أيّ مدخلية في وجود الفعل غير إحداث القدرة، نعم له تعالى أن يمنع عن نفوذ إرادة العبد.
وربما يسمّون هذه الطائفة أيضاً بالقدرية، لأنّهم يسندون الأفعال إلى قدرة العبد لا غير.
وهذه الطائفة أرادوا أن يتحفّظوا على عدل اللََّه جلّ شأنه فسلبوا عنه سلطانه، كما أنّ الطائفة الاُولى أرادوا التحفّظ على سلطانه فسلبوا عنه عدله، فهم بين إفراط وتفريط.
الثالث: ما يظهر من كلمات الفلاسفة، أعني بهم من كان قبل القرون الوسطى، ومن يميل إلى مبانيهم من فلاسفة المسلمين، كالفارابي وابن سينا وابن رشد والشيخ المقتول وغيرهم، وخلاصة ما يظهر منهم أنّ صدور الأفعال وإن كان مستنداً إلى العباد وأنّهم الفاعلون لها، إلّاأنّ فاعليّتهم بالواسطة، أي أنّ إرادتهم من علل الأفعال الطولية الواقعة في النظام الجملي، وأنّ كلّها مستند إلى الإرادة الأزلية.
وبين هذا القول وقول الأشاعرة فرق واضح، لأنّ إسنادهم الأفعال إلى اللََّه عزّوجلّ إسناد بغير توسيط إرادة العبد واختياره، فلا قدرة له على الفعل والترك أبداً، وأمّا الفلاسفة فالفعل عندهم صادر بقدرة العبد وإرادته واختياره وإن كان‌

[١] راجع شرح المواقف ٨: ١٤٦ / المقصد الأوّل من المرصد السادس.