رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٣ - في قاعدة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد

بعدم علّته التامّة، وفي هذا الفرض كان وجوده محالاً، وإلّا لزم الترجّح بلا مرجّح.
وبالجملة: أمر الممكن دائر بين الوجوب والامتناع الغيريّين، فإنّه مع فرض وجود علّته التامّة واجب ومع عدمها ممتنع، لكن مثل هذا الوجوب والامتناع لا ينافي الإمكان الذاتي الذي هو بمعنى عدم اقتضاء الماهية في نفسها للوجود والعدم وعدم إبائها لشي‌ء منهما.
وأمّا لو كان الفاعل‌ فاعلاً بالاختيار فهو وإن كان ممّا لابدّ منه في صدور الفعل وتحقّقه، لما عرفت من استحالة وجود الممكن بلا موجد له، إلّاأنّه لا يعتبر فيه وصول الأمر إلى حدّ الإلجاء والاضطرار، بل لابدّ من أن لا يكون كذلك، وإلّا خرج الفعل عن كونه اختيارياً، وهو خلف.
وبالجملة: فرض كون الفعل اختيارياً يستلزم كون أمره وجوداً وعدماً بيد الفاعل وتحت سلطانه، فلو فرض وجود جميع المقدّمات التي يتوقّف عليها وجود الفعل، وكان شوق الإنسان إليه في غاية مرتبة القوّة والشدّة، لم يكن الفعل مع ذلك خارجاً عن تحت قدرة الإنسان، بل كان أمره بيده، فله أن يعمل قدرته في وجوده الذي نعبّر عنه بالاختيار، وله أن لا يعملها فيه.
فتحصّل: أنّ قاعدة أنّ الشي‌ء ما لم يجب لم يوجد لا تجري في الأفعال الاختيارية، ومَن أسراها إليها قد التبس عليه الأمر، فلم يميّز بين الفاعل بالاختيار والعلّة الاضطرارية.
نعم إنّ لنا بحثاً آخر، وهو أنّ العقل يستقلّ بقبح الترجيح بلا مرجّح فالفاعل بالاختيار إذا كان حكيماً لابدّ في فعله من مرجّح له، وهذا بحث آخر أجنبي عمّا نحن فيه، وسيجي‌ء الكلام فيه عن قريب إن شاء اللََّه‌[١].

[١] في ص‌٣٩.