رسالة في العدالة - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٦٢ - المرحلة الرابعة في المروءة
و فيه: أنّ إلقاء جلباب الحياء كناية عن التجاهر بالفسق، لأنّه المجوّز للغيبة نصّا و فتوى لا غير، و كون مخالفة المروءة موجبة للفسق ليكون إعلانه تجاهرا به أوّل المسألة، بل موضع منع، لوضوح الفرق بين مخالفة التقوى و مخالفة المروءة في كون الأوّل موجبا للفسق و الثاني موجبا لزوال العدالة دون الفسق، و اللازم من ذلك كون فاقد المروءة إذا كانت له ملكة اجتناب الكبائر واسطة بين العادل و الفاسق لا أنّه فاسق، لأنّ الفسق خروج عن طاعة اللّه و ليس في مخالفة المروءة من حيث هي خروج عن طاعة اللّه.
و منها: قول الكاظم (عليه السلام) في حديث هشام: لا دين لمن لا مروءة له و لا مروءة لمن لا عقل له [١] دلّت الرواية على نفي الدين عمّن لا مروءة له، و لا يسوغ كونه لنفي الذات للإجماع على عدم كفر من لا مروءة له فيكون لنفي الصفة و هو الكمال، و انتفاء كمال الدين عند انتفاء المروءة يلازم انتفاء العدالة، و هو المطلوب.
و فيه: أنّ مخالفة المروءة لتعلّقها بالأمور العاديّة بمجرّدها مع المحافظة على الأمور الدينيّة باجتناب الكبائر و الصغائر على وجه الإصرار لا توجب نقصانا في الدين، بل الموجب له إنّما هو الإخلال بالأمور الدينية من ترك واجب أو فعل محرّم، فلا بدّ من تصرّف إمّا في المروءة بحملها على إرادة الحالة الملازمة للتقوى، أو كمال الدين المنفي بكلمة، لا بحمله على ما لا ينافي انتفائه العدالة.
و ممّا يرجّح الوجه الأوّل قوله: «لا مروّة لمن لا عقل له» إذ لا ينبغي أن يراد بالعقل ما يقابل الجنون، لعدم تعلّق فائدة ببيان عدم المروءة للمجنون، بل هو من باب توضيح الواضحات حينئذ، فلا بدّ و أن يراد به ما ورد في الأخبار المعتبرة [٢] المستفيضة من تفسير العقل بما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان، و انتفاء العقل بهذا المعنى عبارة عن الإخلال بعبادة الرحمن و اكتساب الجنان، و هو عبارة عن انتفاء العدالة بمعنى الحالة الباعثة على ملازمة التقوى.
[١] الكافي ١: ١٩ ح ١٢
[٢] الكافي ١: ١١ ح ٣.