رسالة في العدالة - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٥١ - في بيان معنى الإصرار
المحسنون فما عليهم من سبيل، قال ابن أبي عمير: قلت: يا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فكيف يكون الشفاعة لأهل الكبائر و اللّه تعالى يقول وَ لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ [١] و من ارتكب الكبائر فليس بمرتضى؟ قال: يا أبا أحمد ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلّا ساءه ذلك و ندم عليه، و قد قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): كفى بالندم توبة، و قال (عليه السلام): من سرّته حسنته و ساءته سيّئته فهو مؤمن، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن فلم يجب له الشفاعة و كان ظالما، و اللّه تعالى يقول مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لٰا شَفِيعٍ يُطٰاعُ [٢]. قلت: فكيف لا يكون مؤمنا من لم يندم على ذنب يرتكبه، فقال: يا أبا أحمد ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي و هو يعلم أنّه سيعاقب عليها إلّا أنّه ندم على ما ارتكب، و متى ندم كان تائبا مستحقّا للشفاعة، و من لم يندم عليها كان مصرّا و المصرّ لا يغفر له لأنّه غير مؤمن لعقوبة ما ارتكب، و لو كان مؤمنا بالعقوبة لندم، و قد قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار، و أمّا قوله وَ لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ اللّه دِينَه، و الدين الإقرار بالحسنات و السيّئات فمن ارتضى دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب لمعرفة معاقبته في القيامة [٣] الخبر.
فإنّ مورده و إن كان هو الكبائر إلّا أنّ ظاهره عدم الفرق بينها و بين الصغائر في تحقّق الإصرار بعدم الندم و التوبة، فالقول بعدم تحقّق الإصرار في الصورتين المذكورتين لانتفاء اللزوم و المداومة فيهما مشكل من جهة إطلاق هذه الأخبار، و لكنّ القول بهذا الإطلاق أشكل، لما عرفت من أنّ الظاهر بقاء الإصرار على معناه العرفي اللغوي و عدم تطرّق تصرّف فيه من الشارع، مع مخالفة الإطلاق المذكور المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة كادت تبلغ الإجماع، لأنّ القائلين منهم بانحصار الذنوب في الكبائر لا يعتبرون في قدح الصغيرة في العدالة إصرارا فضلا عن قولهم بتحقّق الإصرار بمجرّد عدم الاستغفار، و القائلين منهم بانقسامها
[١] الأنبياء: ٢٨
[٢] غافر: ١٨.
[٣] التوحيد: ٤٠٧- ٤٠٨ ح ٦.