رسالة في العدالة - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٣٥ - المرحلة الاولى
بناء على أنّها لغة عبارة عن الاستقامة المطلقة على الجادّة المطلقة، و عدم الميل و الانحراف عنها، سواء كانت حسّية أو معنويّة، متعلّقة بالعادة أو بالشريعة، فالفرد من هذا المفهوم العامّ الذي أطلق عليه اللفظ هو الاستقامة على جادّة الشريعة، أو منقولة في الشرع إلى هذه الجادّة الخاصّة من باب النقل من العامّ إلى الخاصّ، أو من المباين إلى مثله، بناء على كونها لغة لاستقامة خاصّة و هي الاستقامة على الجادّة الحسّية كما قوّيناه سابقا. و على جميع التقادير فقد طلب السائل «بما» الشارحة تمام الحقيقة الاستقامة الشرعيّة التي أطلق عليها، أو نقل إليها لفظ العدالة، و قد ورد على طبقه الجواب مشتملا على مراتب ثلاث من التعريف الإجمالي، و تفصيلي غير مانع و لا جامع، و تفصيلي مانع و جامع.
أمّا الأوّل فقوله: «أن يعرفوه بالستر و العفاف» أي يعرفوه متّصفا بالستر و العفاف، و الستر بالكسر- على ما عن القاموس- هو الخوف و الحياء و العمل، و الظاهر إرادة الحياء هنا، و هو تغيّر و انكسار يعتري الإنسان ممّا يخاف أن يعاب به و يذمّ عليه، أو يعاقب و يعذّب عليه من فعل أو ترك دعاه هوى نفسه إلى الركوب عليه، و محصّله هنا الاستحياء من اللّه تعالى عند تهيّؤ أسباب معصيته تعالى بترك واجب أو فعل محرّم، الرادع له عن الإقدام عليها، و لذا ورد في الحديث: «أنّ الحياء من الإيمان» [١] و في آخر: «الحياء من شعب الإيمان» [٢] و علّل بأنّ المستحيي ينقطع بحيائه عن المعاصي.
و القرينة على تعيّن حمل الستر في الرواية عليه قوله (عليه السلام) فيما بعد: «و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساترا لجميع عيوبه» فإنّ الستر هنا عبارة عن الاستحياء من الناس في ركوب القبائح و المعاصي، و ينهض ذلك قرينة على ارادة الاستحياء من اللّه من الأوّل حذرا عن اتّحاد الدليل و المدلول.
و ربّما حمل على ارادة العفاف تمسّكا بما عن الصحاح من مجيئه لهذا
[١] الكافي ٢: ١٠٦ ح ١.
[٢] عوالي اللئالي ١: ٥٩ ح ٩٠، و فيه: «الحياء شعبة من الإيمان».