الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٢٠٠ - ٢٣٠- فضل الكلاب
فقد أثم» . فهاتوا شيئا من جميع الحيوان يصلح للزرع و الضّرع و القنص. و بعد فهل اتخذوا كلب الضّرع إلاّ ليحرس الماشية و أولادها من السباع؟و هل عند الكلب عند طروق الأسد و النمر و الذئاب و جميع ما يقتات اللّحمان من رؤساء السباع، إلاّ صياحه و نباحه و إنذاره و دلالته، و أن يشغلها بعض الشّغل، و يهجهج بها بعض الهجهجة، إلى أن يلحق بها من يحميها، و يتوافى إليها من يذود عنها، إذ ليس في هذا القياس أنّا متى وجدنا دهرا تكثر فيه اللصوص و يفشو فيه السّرّاق، و تظهر فيه النّقوب، و يشيع فيه التسلّق، ممّن إذا أفضى إلى منزل القوم لم يرض إلا بالحريبة [١] ليس دونها شيء، أو يأتي على الأنفس، و هو لا يصل إلى ما يريد حتى يمرّ على النساء مكشّفات، و من عسى إذا أخذ المرأة أخذ يد ألاّ يرضى أن يتوعّد بذبح الأولاد و أن يتّقى بالمال، حتّى يذبح، و من عسى إن تمكّن شيئا أو أمن قليلا، أن يركب الحرم بالسّوأة العظمى و بالتي لا شوى لها. فهذا الحال أحقّ بالحراسة من تلك الأحوال.
و بعد فلم صار نساء الحرمين يتزاورن ليلا، و نساء المصرين يتزاورن نهارا، و نساء الحرمين لا يرين نهارا، و نساء المصرين لا يرين ليلا؛ إلاّ للمكابرات و لمكان كثرة من يستقفي و يتحوّب للنقب و التسلّق. و إذا كان الأمر كذلك فأيّ الأمور أحقّ بالتحصين و الحياطة، و أيّهما أشبه بالتغرير و الإضاعة: اتخاذ الكلاب التي لا تنام عند نوم من قد دأب نهاره، أو ترك اتخاذها؟و يقظة السّرّاق على قدر المسروقين.
و على أنّا لو حلنا بين حرس الأسواق و ما تشتمل عليه من حرائب الناس، و بين اتّخاذ الكلاب، لامتنعوا من ضمان الحراسة، و لامتنع كلّ محروس من إعطائهم تلك الأجرة، و لوجد اللصوص ذلك من أعظم الغنم و أجود الفرص. أ و ما تعلمون أنّ هذا الحريم، و هذه الحرمات و هذه العقائل من الأموال، أحقّ بالمنع و الحراسة و الدّفع عنها بكلّ حيلة، من حفظ الغنم و حريم الراعي و حرمة الأجير؟! و بعد فإنّ الذئاب لا تجتمع على قطيع واحد، و الذي يخاف من الذئب السّلّة و الخطفة، و الاستلاب و الاختلاس. و الأموال التي في حوانيت التجار و في منازل أهل اليسار يأتيها من العدد و العدّة، و من نجب أصحاب النجدة، من يحتملها بحذافيرها، مع ثقل وزنها و عظم حجمها، ثمّ يجالدون دون ذلك بسيوف الهند و بالأذرع الطوال.
و هم من بين جميع الخليقة لو لا أنّهم قد أحسّوا من أنفسهم الجراءة و ثبات العزيمة، بما ليس من غيرهم، لكانوا كغيرهم، و لو لا أنّ قلوبهم أشدّ من قلوب الأسد لما
[١] الحريبة: المال الذي يسلب من الإنسان.