البداية والكفاية - الفقيه، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١٠٦ - بحث حول شبهة الجبر
و تعالى لأن ذلك يستلزم عقوبة البريء و عقوبة العاجز، مضافا إلى تبرئة نفسه مما فعله من القبيح و نسبته للبريء، و اللّه سبحانه منزه عن مثله.
الفائدة الثانية: لا ريب أنه لا طريق لنا لمعرفة مراد المتكلم من كلامه إلا ظاهر كلامه، و لا ريب أن هذا الظاهر لا ينعقد إلا بعد انتهاء المتكلم من كلامه و بعد ملاحظة القرائن اللفظية و المقامية و العقلية، و هو ضروري عند جميع العقلاء، فإذا قال القائل رأيت أسدا قلنا أنه يخبر عن رؤيته للحيوان المفترس، و لكن إذا قرنه بقوله يرمي السهام أو يخطب على المنبر، قلنا أنه يريد رجلا يشبه الأسد، و إذا قال لمن حوله من الناس: أرى بينكم أسدا و لم يكن ثمة أسد، علمنا أيضا أنه يريد رجلا يشبه الأسد، و الأول يسمى قرينة لفظية و الثاني يسمى قرينة مقامية.
و لا ريب أن القرائن العقلية أقوى من القرائن اللفظية و المقامية، فإذا قال القائل يد فلان مبسوطة على المشرق و المغرب حكم العقلاء بأنه يريد السلطة و القدرة، و إذا لاحظنا قوله تعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [١] و نظرنا إلى أيديهم و لم نر يدا فوقها و دلّ الدليل العقليّ على استحالة كونه جسما، حكمنا بأن المقصود أن قدرته فوق قدرتهم.
الفائدة الثالثة: أن معنى الطلب هو السعي نحو المحبوب، كما يظهر من موارد استعماله في الكتاب و السنة و العرف، كقوله تعالى فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً [٢] و كقوله (ص): طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة، و كقوله (ص): اطلب العلم من المهد إلى اللحد، و كقولك: طلبته فلم أجده، و كقول
[١] سورة الفتح آية ١٠.
[٢] الكهف ٤١.