اتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب و الفضائل - القلقشندي، محمد بن عبد الله - الصفحة ٧ - المقدّمة
و بذلك فقد أسّسوا أشبه بمدرسة همّها الأول تربية الناس على اختلاف مشاربهم، و تخريج كوادر لامعة في حقول الأدب و العلم و المعرفة الإنسانية: النظرية و التطبيقية.
٢- النزعة التقريبية في تعاملهم مع الآخرين. فرغم المعاناة الّتي تلقّاها بعضهم، و سوء المعاملة الّتي أبداها بعض السلاطين حيال بعضهم، إلّا أنّهم حافظوا على هدوئهم و تقاربهم مع الناس و لو كانوا على خلاف رأيهم، و إن حدث نقاش و حوار مع أطراف أخرى مالوا نحو أدب الاعتراض القائم على الحوار العلمي و المناقشة الموضوعية، من غير تعصّب و لا عواطف شخصية.
و بذلك جسّدوا بصورة عملية ثقافة التقريب، حيث لم يلتزموا مواقف حادّة تثير التشنّج و الاضطراب في المجتمع الإسلامي، أو القيام بمبادرات من شأنها أن تمزّق وحدة المسلمين، و إضعاف دولة الاسلام الفتية.
لذا دعونا نقول: إنّهم أثبتوا الخطوة الأولى للحركة التقريبية في تاريخ الإسلام.
و لعلّ أوّل شخصية من شخصيات أهل البيت (عليهم السّلام) الّتي قامت بتثبيت هذه الخطوة، و أسّست الانطلاقة الأولى في هذا الدرب، هي السيدة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ابنة النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله).
لقد شهدت الزهراء البتول ظروف الدعوة الإسلامية، و تفاصيل انبعاث الفجر المنير، و شطرا من بناء الدولة الإسلامية الحديثة، لكنّها (عليها السّلام) رغم ما جرى عليها من أمور متميّزة تتعلّق بجوانب من حقوقها، آثرت ترجيح مصلحة الإسلام و الدولة الفتية على مصلحتها الشخصية رغم حاجتها الماسّة إليها، و فزعت إلى جانب الحوار الهادئ و النقاش الموضوعي الصحيح، و لم تبغ ضجّة و لا اضطرابا في المجتمع الجديد، و كانت بمقدورها ذلك و هي سليلة النبيّ الأكرم، العالمة و المفوّهة الناطقة.
فليس غريبا أن يفرد لها أبوها النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) شطرا كبيرا من وقته ليجالسها