اتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب و الفضائل - القلقشندي، محمد بن عبد الله - الصفحة ٩٨ - مناقشة قول ابن القيّم
مناقشة قول ابن القيّم [١]
و أمّا قول ابن القيّم: إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند اللّه، فذلك أمر لا يطّلع عليه، فإنّ عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح [٢]. و إن أريد كثرة العلم فعائشة [٣]،
كلام السبكي الكبير.
[١]. ابن قيّم الجوزية، و يطلق عليه اختصارا ابن القيّم، هو محمّد بن أبي بكر الحنبلي الدمشقي، ولد في دمشق سنة ٦٩١ ه، و توفي بها سنة ٧٥١ ه، و دفن في سفح جبل قاسيون، قال ابن حجر في الدرر الكامنة: غلب عليه حبّ ابن تيمية، فكان لا يخرج عن أقواله، و سجن معه، و لم يطلق سراحه إلّا بعد أن توفّي ابن تيمية، له مصنّفات منها:
زاد المعاد، و أعلام الموقعين، و تهذيب سنن أبي داود.
[٢]. هذا الكلام و إن كان في حدّ نفسه صحيحا، إلّا أنّه في المقام و في أمثاله ليس صحيحا، و ذلك لأنّ الشارع المقدّس كشف لنا أنّ فاطمة أكثر الناس ثوابا بقوله: «إنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة»، فهي أفضل نساء أهل الجنّة، و لازمه أنّها الأفضل من حيث كثرة الثواب، بل من حيث الكمالات، بل ليس هناك من هو أكثر ثوابا و كمالا منها، لأنّ التفاضل في الآخرة في الجنّة و درجاتها إنّما هو بكثرة الثواب و العمل الصالح و الاعتقادات الحقّة، و لو لم تكن هي الأكثر و الأوفر و الأفضل لما وصفها الشارع بأنّها سيدة نساء أهل الجنّة، و لوصف غيرها بذلك، فلمّا لم يصف غيرها، علمنا بحكم الشارع أنّها أكثر الناس ثوابا، و أكثرهم عملا صالحا و هذا الكلام ينطبق على العلم أيضا، باعتبار أنّ العلم كمال من الكمالات، فهي سيدة النساء من هذه الجهة أيضا، و هكذا بقية الكمالات.
[٣]. اتّضح الجواب عنها بما تقدّم، من أنّ «سيدة نساء أهل الجنّة» يقتضي أنّها سيدتهنّ في كلّ فضل و كمال، كمّا و كيفا، و العلم من الكمال، بل هو أشرف الكمالات، فلا بد أن تكون سيدة نساء أهل الجنّة حائزة على كلّ الكمالات، أعلاها و أشرفها. فنصّ الشارع كاشف عن الأفضلية المطلقة من جميع الجهات.
ثمّ إنّه إن أراد بكثرة العلم كثرة السماع من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فقد اتّفق المؤرّخون على أنّ عائشة عاشت مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) تسع سنين، و أمّا خديجة فقد عاشت مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) خمسا و عشرين سنة، و على حدّ قول ابن عبد البرّ: أربعا و عشرين سنة و أربعة أشهر، و هذا يقتضي أنّها أكثر سماعا من عائشة، بل سمعت من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ضعفي ما سمعته عائشة و نصف، فهي أكثر علما منها من هذه الجهة، بل أكثر من ذلك: أنّ عائشة عاشت مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) تسع سنين مع تسع زوجات، فكان لها يوم واحد من كلّ تسعة أيام! و معناه: أنّها عاشت مع النبيّ سنة واحدة بحساب الأيام، و عليه فخديجة سمعت من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) خمسا و عشرين مرّة بقدر ما سمعته عائشة أو بقية زوجاته رضي اللّه عنهنّ.
و إن أراد بكثرة العلم لزوج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مدلول خبر «خذوا شطر دينكم عن الحميراء» أو «ثلثي دينكم» ففيه كلام. حيث قال العجلوني: «رأيت في الأجوبة على الاسئلة الطرابلسية لابن القيّم الجوزية: أنّ هذا الحديث