شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٨٦ - (وهم و تنبيه في أن اللذات الباطنية هي أقوى من اللذات الظاهرية
(النمط الثامن فى البهجة و السعادة و فيه مسائل)
* المسألة الاولى* فى اللذات الباطنة أقوى و أشرف من اللذات الحسية
قال المصنف رضى اللّه عنه اعلم أن الشيخ كأنه ادعى الضرورة فى اثبات لذة وراء اللذة الحسية الظاهرة ثم انه فى الفصل الأول من هذا النمط بين أن اللذات الخيالية و الوهمية أقوى من الحسية الخارجية
(وهم و تنبيه [في أن اللذات الباطنية هي أقوى من اللذات الظاهرية]
انه قد يسبق الى الأوهام العامية أن اللذات القوية المستعلية هى الحسة و ان ما عداها لذات ضعيفة و كلها خيالات غير حقيقية و قد يمكن أن ينسبه من جملتهم من له تمييز ما فيقال له أ ليس ألذ ما يصفونه من هذا القبيل هو المنكوحات و المطعومات و أمور تجرى مجراها و أنتم تعلمون أن المتمكن من غلبة ما و لو فى أمر خسيس كالشطرنج و البرد قد يعرض له مطعوم و منكوح فيرفضه لما يعتاضه من لذة الغلبة الوهمية و قد يعرض مطعوم و منكوح لطالب العفة و الرئاسة مع صحة جسمه فى صحبة حشمه فينفض اليد منهما مراعاة للحشمة فتكون مراعاة الحشمة آثر و الذ لا محالة هناك من المنكوح و المطعوم و اذا عرض للكرام من الناس الالتذاذ بانعام يصيبون موضعه آثروه على الالتذاذ بمشتهى حيوانى متنافس فيه و آثروه فيه غيرهم على أنفسهم مسرعين الى الانعام به و لذلك فان كبير النفس يستصغر الجوع و العطش عند المحافظة على ماء الوجه و يستحقر هول الموت و مفاجأة العطب عند مناجزة المبارزين و ربما اقتحم الواحد على عددهم ممتطئا ظهر الخطر لما يتوقعه من لذة الحمد و لو بعد الموت كان ذلك يصل اليه و هو ميت فقد بان ان اللذات الباطنة مستعلية على اللذات الحسية و ليس ذلك فى العاقل فقط بل و فى العجم من الحيوانات فان من كلاب الصيد ما يقتنص على الجوع ثم يمسكه على صاحبه و ربما حمله اليه و الواضعة من الحيوانات تؤثر ما ولدته على نفسها و ربما خاطرت محامية عليه أعظم من مخاطرتها فى ذات حمايتها نفسها فاذا كانت اللذات الباطنة أعظم من الظاهرة و ان لم تكن عقلية فما قولك فى العقلية)
التفسير الغالب على أوهام الاكثرين أن اللذات القوية هى الحسية ثم منهم من ينكر سائر اللذات أصلا و منهم من يعترف بها و لكنه يقول انها ضعيفة جدا بالنسبة الى اللذات الحسية و الشيخ أبطل قولهم فى هذا الفصل و بين أن اللذات الباطنة أقوى من اللذات الحسية الخارجية من وجوه فالاول أن اقوى اللذات الحسية لذة المطعوم و المنكوح ثم ان الانسان قد يترك الطعام و الشراب طلبا للذة العقلية فى النرد و الشطرنج و لو لا أن هذه اللذة أقوى من تلك و الا لما ترجحت هذه على تلك الثاني و هو أن الانسان قد يترك المعطوم و المنكوح فى حضور من تحشمته و لو لا مراعاة الحشمة ألذّ و الا لما ترجحت الثالث و هو أن الانسان ربما احتاج الى طعام أو شراب حاجة شديدة ثم انه يؤثر غيره على نفسه فيه و لو ان لذة الايثار آثر و الا لما كان كذلك الرابع و هو ان الانسان اذا كان كبير النفس فانه يقاسى ألم الجوع و العطش للمحافظة على ماء الوجه و يستصغر الموت عند مناجزة