شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٤ - (تكملة للاشارات في بيان بقاء النفس على كمالاتها الذاتية بعد مفارقة البدن
و لانه أصل فلن يكون مركبا من قوة قابلة للفساد مقارنة لقوة الثبات فان أخذت لا على انها أصل بل كالمركب من شيء كالهيولى و شيء كالصورة عمدنا بالكلام نحو الاصل من جزأيه و الاعراض وجودها فى موضوعاتها فقوة فسادها و حدوثها هى فى موضوعاتها فلم يجتمع فيها تركيب و اذا كان كذلك لم يكن أمثال هذه فى أنفسها قابلة للفساد بعد وجوبها لعللها و ثباتها بها)
التفسير انما سمى هذا الفصل تكملة للاشارات لان مقصوده فى الاشارة الاولى من هذا النمط بيان بقاء النفس بعد البدن ثم احتاج الى بيان استغنائها عن البدن لاجل هذا المقصود فلما فرغ من بيان ذلك فى الفصول السالفة أراد فى هذا الفصل أن يرجع الى المقصود من بيان بقاء النفس فلا جرم كان هذا الفصل كالتكملة لما مر و اعلم أنه لما فرغ عن ذكر هذه الأدلة صرح بالنتيجة و هى أن القوة العاقلة التي فينا مستقلة بالعاقلية و انه لا حاجة بها فى ادراكها و تعقلها الى الجسم ثم انه بعد ذلك شرع فى اقامة حجة أخرى على بقاء النفس بعد موت البدن فقال و لانه أصل فلن يكون مركبا من قوة قابلة الى آخره و اعلم أن مدار هذه الحجة على ان كل حادث مسبوق بمادة و تقريره ما مر فى النمط الخامس ثم نقول لو كانت النفس قابلة للفساد لكان امكان حصول ذلك الفساد حاصلا قبل حصول ذلك الفساد و ذلك الامكان لا بد له من محل يستحيل أن يكون محله ذات النفس لان محل امكان الشيء لا بد و أن يكون باقيا عند حصول ذلك الشيء لكن النفس لا تكون باقيه عند حصول فسادها فاذن محل ذلك الامكان ليس النفس بل مادتها فثبت ان النفس لو كانت قابلة للفساد لكانت مركبة من مادة و صورة لكن ذلك مما لم يقل به أحد ثم لو ذهب اليه ذاهب فحينئذ نقول تلك المادة اما أن لا تكون لها مادة أخرى و ان كان لكن لا بد من الانتهاء الى مادة أخيرة لا مادة لها فتلك المادة التي ليس لها مادة وجب امتناع فسادها لانه لو صح ذلك عليها لكان لها مادة و اذ ليس لها مادة استحال الفساد عليها و لا نعتى بالنفس الا ذلك الجوهر المجرد الباقى و لقائل أن يقول لا نسلم ان كل محدث مسبوق بمادة على ما مر تقرير فى النمط الخامس ثم لئن وقعت المساعدة عليه لكن لم لا يجوز أن يقال جوهر النفس الناطقة مركب من هيولى و صورة مخالفتين لهيولى الاجسام و صورها ثم ان تلك الهيولى باقية و تلك الصورة قابلة للفساد فلما كانت الصورة المقومة لماهية النفس الناطقة قابلة للفساد فحينئذ صح العدم على النفس الناطقة و قولكم لا بد من الاعتراف ببقاء تلك المادة قلنا هذا مسلم لكن لا يلزم من بقاء مادة النفس بقاؤها كما لا يلزم من بقاء هيولى الاجسام العنصرية بقاؤها و الذي يحقق ذلك أنكم بعد الفراغ من اثبات بقاء النفس تقولون انها تبقى بعد موت البدن عاقلة لمعقولاتها مدركة لمدركاتها موصوفة بالاخلاق التي اكتسبتها حال كونها بدنية و اذا جوزتم أن يكون الباقى بعد موت البدن مادتها فقط لم يمكنكم القطع بشيء من ذلك لان لقائل أن يقول حينئذ لم لا يجوز أن يقال اتصاف تلك المادة بهذه التعقلات و الادراكات و العلوم و الاخلاق مشروط بحصول تلك الصورة فيها و عند موت البدن فسدت تلك الصورة فلا جرم لا يبقى شيء من تلك العلوم