شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٠ - (تذكير في بيان أن المبدع بالحقيقة هو العقل الأول
بامور مختلفة و لان الشيخ اعترف فى النمط السابع من هذا الكتاب بان تعقل البارى تعالى للاشياء الكثيرة كثرة لازمة لذاته و لم يلزم من كثرة تلك اللوازم وقوع الكثرة فى ذاته تعالى فظهر أن لاستدلال بالكثرة الحاصلة من الامكان و الوجود على كون الماهية متكثرة غير صحيح اللهم الا أن يقال انه ما عنى بالماهية الامر الذي هو معروض الامكان و الوجود بل المجموع الحاصل من تلك الماهية و من الامكان و الوجود و لا شك أن ذلك المجموع مركب و فيه كثرة و لكنا لو قنعنا بمثل هذه الكثرة فى أن يكون مصدرا للمعلولات الكثيرة فهى حاصلة لذات اللّه تعالى لان ذاته تعالى اذا أخذت مع السلوب الكثيرة و الاضافات الكثيرة حصلت هناك كثرة كثيرة جسدا فلم لا يجعل ذات اللّه تعالى مصدرا للمكنات الكثيرة و اما قوله ثم يجب أن يكون الامر الصوري مبدأ للكائن الصورى و الامر الاشبه بالمادة مبدأ للكائن المناسب للمادة فاعلم انه لم يذكر على هذه المقدمة دلالة و الذي عول عليه فى سائر كتبه هو أن الاشرف تابع للاشرف مع أنه هو الذي قال فى كتاب البرهان من كتاب الشفاء اذا رأيت الرجل العامى يقول هذا شريف و هذا خسيس فاعلم أنه غلط فليت شعرى كيف استجاز استعمال هذه المقدمة الخطابية فى هذه المباحث العلمية و أما قوله و يجوز أن يكون للآخر تفصيل أيضا الى أمرين بهما يصير سببا لصورة و مادة خسيسين فاعلم أنه لم يذكر فى العقل الأول الا من حيث انه ممكن لذاته واجب بغيره ثم يجعل الوجوب بالغير علة للعقل الثاني فبقى أن يجعل الامكان علة للفلك لكن الفلك مركب من الهيولى و الصورة و هما موجودان فلا بد و أن يكون فى العقل الأول بسببهما جهتان ثم انه لم يذكر هاهنا على التفصيل و ذكره فى سائر كتبه أن كونه ممكنا لذاته علة لهيولى الفلك و كونه موجودا علة لصورته و اما وجوبه بغيره فهو العلة للعقل الثاني و يسمون هذه الاعتبارات الثلاثة بالتثليث
(وهم و تنبيه [في دفع ما قيل إن الحيثيات الموجودة في العقل اذا كانت سببا لوجود العقل]
و ليس اذا قلنا أن الاختلاف لا يكون الا عن اختلاف يجب أن يصح عكسه حتى يكون الاختلاف الذي فى ذات كل عقل يوجب وجود مختلف و يتسلسل الى غير النهاية فانك تعلم أن الموجب لا ينعكس كليا)
التفسير من الناس من أورد على الترتيب المذكور سؤالا و هو لما جعلتم امكان العقل الأول و وجوده سببا لصدور فلك و عقل عنه فهذا الامكان و الوجود حاصل فى العقل الأخير فوجب أن يصدر عنه أيضا عقل آخر و فلك آخر و هلم جرا الى ما لا نهاية له فاجاب عنه بانا قلنا المعلولان المختلفان لا بد و ان ينسبا الى هذين الاعتبارين فى العلة و الموجبة الكلية لا تنعكس كلية فلا يلزم أن يقول هذان الاعتباران فى العلة لا بد و ان يكونا مصدرين للمعلولين المختلفين و تحقيقه و هو ان كل عقل مخالف بماهية سائر العقول و اذا كان كذلك فمن المحتمل أن لا يكون ماهية عقل بحيث يقتضى معلولا و ماهية العقل الآخر يكون مخالفة الماهية الأول فلا يقتضى ما فيه من الامكان و الوجود شيأ و لقائل أن يقول فاذا لم يجب من حصول الاعتبارين فى العقل حصول المعلولين عنه فلم لا يجوز أن يقال العقل الأول و ان حصلت الجهتان فيه لكنه لا يكون علة لمعلولين بل يحصل عنه عقل واحد و من ذلك الواحد عقل آخر و هلم جرا على هذا الى ما شاء اللّه ثم بعده يوجد العقل الذي يصدر عن وجوده و امكانه فلك و عقل ثم ان العقل الذي هو علة الاخير و ان لم يصدر عنه فلك لكنه يصدر عنه عقل آخر و هلم جرا الى ما شاء اللّه و بالجملة فالعقول المساوقة للافلاك تكون متوسطة بين العقول المفردة أو يكون الامر كذلك فى أحد الطرفين أو يكون الامر كذلك فى بعض الوسائط دون البعض و على هذا التقدير يبطل ما يذكرونه من أن مراتب العقول بحسب مراتب الكرات و هذا السؤال قد مر ذكره مرة لكنا أعدناه هاهنا لانه كان له مزيد توجه على كلام الشيخ هاهنا
(تذكير [في بيان أن المبدع بالحقيقة هو العقل الأول]
فالاول يبدع جوهرا عقليا هو بالحقيقة مبدع و يتوسطه جوهرا عقليا و جرما سماويا و كذلك عن ذلك الجوهر العقلى حتى تتم الاجرام السماوية و تنتهى الى جوهر عقلى لا يلزم عنه جرم سماوى)
التفسير الغرض أن يبين كيفية ترتيب العقول و السماوات فقال البارى تعالى يبدع جوهرا عقليا هو بالحقيقة