شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٦ - (هداية في بيان امتناع عليّة الحاوي لمحويه باستلزامه لثبوت الخلاء
اليها فان كان لم ينتقل اليها فهو ليس بمتحرك الى تلك الجهة و ان كان قد انتقل اليها الا أن انتقاله اليها بسبب أن جسما آخر يحركه اليها فلا جرم كانت هذه الحركة عرضية و اما انتقاله الى الجهة الاولى فهو لذاته فلا جرم كانت تلك الحركة بالذات فنقول هذا محال بالضرورة لان الانتقال الى جهة يلزمه الحصول فى تلك الجهة فلو انتقل الى جهتين لزم حصول الجسم الواحد دفعة واحدة فى جهتين و ذلك بين البطلان فى بديهة العقل سواء كان الانتقال بالذات أو بالعرض أو أحدهما بالذات و الآخر بالعرض لا يقال انا نرى الرحى تتحرك الى جهة و النملة تتحرك عليها الى خلاف تلك الجهة لانا نقول لم لا يجوز أن يقال يحصل للنملة وقفات حال تحرك الرحى و للرحى وقفات حال تحرك النملة و هذا و ان كان مستبعد الكنه ليس أشد استبعادا من قولكم ان الخردلة المرمية الى فوق ربما سكنت الحبل النازل فى الهواء و كما انكم قلتم الاستبعاد لا يعارض البرهان فنحن نقول هاهنا أيضا الاستبعاد لا يدافع البديهيات و أما قوله و أنت تعلم انها كلها فى سبب الحركة الشوقية التشبهية على قياس واحد فاعلم أنه لما قام الدلالة على ان الافلاك متحركة بالاستدارة عاد الى ما ابتدأ به أولا من أن كل جسم متحرك بالاستدارة فلا بدّ و أن تكون حركته شوقية تشبهية على ما مر و هذا الحكم غير مختص ببعض الاكبر دون البعض و من المتقدمين من توقف فيه و قال الافلاك الكلية تسعة و لكل واحد منها محرك يحركه الشوق الى التشبه فاما الكرات التي ينفصل اليها الفلك الواحد مثل فلك القمر فانه ينفصل الى أربع كرات فلا يدرى أنه هل لكل واحد من هذه الكرات محرك خاص أو لمجموعها محرك واحد و أما الشيخ فقد جزم هاهنا بانه لا بد و أن يكون لكل واحد منها محرك خاص لان المتحرك بالاستدارة اذا ثبت أن حركته ليست الا شوقية تشبهية وجب أن يكون الحال فى كل الكرات كذلك و أما قوله و تعلم أنه ليس يجوز أن يقال السافل منها معشوقه الخاص هو ما فوقه فمعناه ما تبين قبل ذلك من أنه لا يجوز أن يكون معشوق الكرة السافلة فى حركتها الكرة العالية و أما قوله و تعلم انها لم تخلف أوضاعها و حركاتها و مواضعها بالطبع الا و ليست من طبيعة واحدة بل هى طبائع شتى و ان جميعها بحسب القياس الى الطبائع العنصرية طبيعة خامسة فاعلم أن المراد منه بيان أن كل واحد من الافلاك مخالف للآخر فى طبيعته و ماهيته و حاصل الكلام فى الدلالة على ذلك أن لكل واحد من الافلاك شكلا و مقدارا و وصفا و حيزا يستحيل حصوله للآخر فاختلافهما فى هذه اللوازم اما أن يكون للجسمية و هو محال أو لما يحل فيها و هو ان كان لازما عاد المحال و ان لم يكن لازما لم يكن اللازم لسببه لازما أو لما لا يكون حالا فيها و لا محلا و هو باطل لانه ان كان جسما أو جسمانيا عاد التقسيم فى اختصاصه بتلك الخاصية و ان لم يكن جسما و لا جسمانيا كان نسبته الى الكل واحدة فلا يكون بعض الاجسام بلزوم بعض الاوصاف أولى من البعض فاما أن تكون تلك الصفات لازمة للكل فحينئذ يرتفع الاختلاف هذا خلف أو لا يلزم شيء منها شيأ منها هذا أيضا خلف و اما أن يكون ذلك لاختلاف محال جسمياتها و هذا هو الحق فظهر أن هيولات الافلاك مختلفة بالماهية فكذلك وجب لكل واحد منها ما استحال على الآخر فثبت أن هيولى كل واحد من الاجسام الفلكية مخالفة بالماهية لهيولى الآخر و هى باسرها مخالفة لهيولى الاجسام العنصرية فتكون الطبيعة الفلكية طبيعة جنسية بالنسبة الى الطبائع العنصرية و هى الطبيعة الخامسة و يدخل تحت ذلك الجنس أنواع ثم انه شرع بعد ذلك فى بيان أنه لا يجوز أن يكون شيء من الاجسام الفلكية علة للآخر و اللّه أعلم الطريقة الرابعة فى اثبات العقول ستة فصول و هو أن يقيم الدلالة على أنه لا يجوز أن يكون شيء من الاجسام و لا شيء من القوى الجسمانية علة لشيء منها و ظاهر أن المؤثر فيها ليس هو اللّه تعالى لاستحالة أن يصدر عن الواحد أكثر من واحد فلا بدّ و أن يكون عللها موجودات مجردة و هو المطلوب فاما أنه لا يجوز أن يكون شيء من الاجسام علة لشيء منها فقد ذكر الشيخ هاهنا دليلين كما سيأتى بيانهما
(هداية [في بيان امتناع عليّة الحاوي لمحويه باستلزامه لثبوت الخلاء]
اذا فرضنا جسما يصدر عنه فعل فانما يصدر عنه اذا صار شخصه ذلك الشخص المعين فلو كان جسم فلكى علة لجسم فلكى يحويه لكان اذا اعتبرت حال المعلول مع وجود العلة وجدتها فى حيز الامكان و أما الوجود و الوجوب فبعد وجود العلة و وجوبها و لكن وجود المحوى و عدم الخلاء فى الحاوى هما معا فاذا اعتبرنا تشخص الحاوى العلة كان معه للمحوى امكان لان تشخص العلة متقدم فى الوجوب و الوجود على تشخص المعلول فلا يخلو اما أن يكون عدم الخلاء واجبا مع وجوبه أو غير واجب مع وجوبه فان كان واجبا مع وجوبه