شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٤٠ - (تذكرة و تنبيه في بيان أن النفس الناطقة إنما تعلقها بالبدن صرف التدبير و التصرف
التي لها فتقهر شهوة أو غضبا أو خوفا من غيرها)
التفسير قال الامام الشارح رضى اللّه عنه و أرضاه بناء هذا الباب على مقدمتين احداهما ان النفس الناطقة ليست جسما و لا جسمانية و قد مر بيان ذلك و ثانيهما ان الهيآت النفسانية قد تكون مبادى لحدوث الحادثات فى الابدان مع كون النفس مباينة لها و بين ذلك بامور ثلاثة فاولها ان الانسان قد يمكنه المشي على خشبة موضوعة على الارض و لو وضعت تلك الخشبة على طرف جدار لما تمكن من المشي عليها و ما ذاك الا أن توهم السقوط يوجبه و ثانيها ان أمزجة الناس تتغير بحسب فغير أحوالهم النفسانية من الغضب و الحزن و الخوف و الفرح و ذلك معلوم بالضرورة و ثالثها ان التوهم الشديد للمرض أو للصحة ربما أوجب ذلك و هذا معلوم بالاختبار و الاستقراء و رابعها انه ليس كل مسخن بحار فإن الحركة مسخن و هى غير حارة و لا كل مبرد ببارد فان القوة التي فى الأفيون تبرد فوق تبرد الماء مع ان الافيون مركب و الماء بسيط و قوة الكيفية فى البسيط أقوى منها فى المركب و اذا ثبت ذلك فلا يستبعد أن يكون لبعض النفوس خاصية لاجلها يتمكن من التصرف فى عنصر هذا العالم و تكون تلك النفوس لكلية عنصر هذا العالم كنفسنا بالنسبة الى بدننا و لا يستبعد أيضا أن يتعدى تأثير تلك النفس الى سائر النفوس حتى تصير سائر النفوس لاتصالها بها على قوته مثل ذلك التصرف أو ما يقرب منه و اذا ثبت أن هذا المعنى محتمل فى جوهر النفس فاذا انضمت الرياضات اليه أعنى كسر قوى الشهوة و الغضب فلا شك انها تصير حينئذ أقوى هذا حاصل هذا الفصل و لقائل أن يقول هذه الوجوه التي ذكرتموها لا تفيد القطع بصحة وجود هذه النفس التي تذكرونها لانه ليس اذا كان توهم السقوط موجبا له و توهم الصحة و المرض قد يكون موجبا لهما و لسائر الانفعالات النفسانية موجبة أنواعا مخصوصة من تغيرات المزاج لزم من ذلك القطع بوجود النفس الناطقة تقوى على التصرف فى كلية العالم العنصرى لان النفس الناطقة مخالفة بالماهية لهذه القوى لاخر و لا يلزم من ثبوت حكم الشيء ثبوت حكم أقوى و أجل من الحكم الأول لشيء آخر يخالف الشيء الأول فلئن قلتم ليس غرضنا من ذكر هذه الوجوه اقامة البرهان على القطع بصحة وجود هذه النفس بل ازالة الاستبعاد و بيان أنه ليس فى العقل ما ينافيه قلنا فاذن يرجع حاصل ما ذكرتموه هاهنا الى أنه لا دليل على صحته و على امتناعه و ذلك يوجب التوقف لا القطع بالصحة و أيضا فقد بنيتم هذه المسألة على اثبات النفس الناطقة و ليس الامر كذلك لان التوهم الموجب للسقوط قوة جسمانية و التخيلات التي لاجلها يختلف حال المزاج و هى الغضب و الفرح و الغم جسمانية و اذا كان الامر كذلك فالاستدلال بكون هذه القوى الجسمانية موجبة لهذه التغيرات على تجويز أن يكون للبدن المخصوص خاصية معينة لاجلها يتمكن الانسان من التصرف فى هذا العالم أولى من الاستدلال بذلك على تجويز أن يكون فى النفوس الناطقة نفس قوى تقوى على ذلك اللهم الا اذا دلت دلالة منفصلة على أن النفس الناطقة ليست جسما و لا جسمانية فعلمنا أنه لا تعلق لاثبات هذا الاحتمال التي ذكرتموها باثبات تجرد النفس و عدم تجردها البتة و أصلا فقد تلخص مما ذكرنا أنه لا حاصل لهذا الفصل بعد حذف الامور الخارجية و تحصيل الامور المهملة الا أن يقال ان كون الانسان موصوفا بخاصيه لاجلها يتمكن من التصرف فى هذا العالم العنصرى أما فى نفسه الناطقة أو فى بدنه جائزا لا بمعنى القطع بصحته بل بمعنى أنه ليس عندنا ما يدل على امتناعه أصلا و معلوم أن هذا القدر من الجواب لا يستدعى التطويل المذكور