شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٣٦ - (تنبيه في تمهيد مقدمة لبيان العلة
مثل ما قد يفعله التوهم فى المرضى و الممرورين و هذا أولى و اذا فعل هذا صار الاثر مشاهدا مبصرا أو هتافا أو غير ذلك و ربما تمكن مثالا موفورا لهيئة أو كلاما يحصل النظم و ربما كان فى أجل أحوال الزينة)
التفسير و كما أن النفس تنصل عند النوم بالعقول فتعقل من هناك أمورا ثم تركب المتخيلة صورا مناسبة لها ثم تنحدر تلك الصور الى الحس المشترك و قد يحصل مثل هذه الحالة فى اليقظة اذا كانت النفس قوية وافية بالجانبين واسعة لهما حتى ان الانسان حال اليقظة يتصل نفسه بالعقول فادركت من هناك أمورا ثم ركبت المتخيلة صورا مناسبة لتلك التعقلات ثم انحدرت تلك الصورة الى لوح الحس المشترك فصارت هذه محسوسة فيحصل حينئذ أيضا صورة و سماع كلام و ان لم يكن لشيء من ذلك وجود فى الخارج
(تنبيه [في تمهيد مقدمة لبيان العلة]
ان القوة المتخيلة جبلت محاكبة لكل ما يليها من هيئة ادراكية أو هيئة مزاجية سريعة التنقل من شيء الى شبهه أو الى ضده و بالجملة لى ما هو منه بسبب و للتخصيص أسباب جزئية لا محالة و ان لم نخلصها نحن باعيانها و لو لم تكن هذه القوة على هذه الجبلة لم يكن لنا ما نستعين به فى انتقالات الفكر مستنتجا للحدود الوسطى و ما يجرى مجراها بوجه و فى تذكر أمور منسية و فى مصالح أخرى فهذه القوة يزعجها كل سانح الى هذا الانتقال أو يضبط و هذا الضبط اما لقوة من معارضة النفس أو لشدة جلاء الصور المنتقشة فيها حتى يكون قبولها شديد الوضوح متمكن التمثل و ذلك صارف عن التلدد و التردد ضابط للخيال فى موقف ما يلوح فيه بقوة و كما يفعل الحس أيضا كذلك)
التفسير لما بين السبب فى مشاهدة الصور و سماع الاصوات التي لا وجود لها فى الخارج حالتى النوم و اليقظة اراد أن يتكلم فى أقسامها و احكامها فان منها ما يكون صوابا غنيا عن التعبير و التأويل و منها ما يحتاج اليهما و منها ما يكون باطلا و بالكلية نقدم لذلك هذه المقدمة و هى أن من شان هذه القوة المتخيلة الانتقال من معنى الى ماله تعلق ثم الى شبيهه أو الى هذه و سبب الانتقال تارة الى الشبه و أخرى الى الضد أمور جزئية لا وقوف لنا عليها ثم بين أن الحكمة الالهية تقتضى أن يكون خلقة هذه القوة على هذا الوجه فانها لو لم تكن كذلك لما انتفعنا بها عند التفكر لان التفكر لا يتم الا بالانتقالات من الامور الحاصلة الى الامور المستحصلة و لما ثبت أن هذه القوة من شأنها و غريزتها هذا الانتقال فهى لا تخلو عن هذا الانتقال الا اذا منعها مانع من ذلك و ما ذاك الا أحد أمرين أحدهما استيلاء النفس الناطقة عليها فانها يمنعها عن هذه الانتقالات و ينفعها و الثاني أن تكون الصورة المنتقشة فيها قوية جلية فهى بخلافها و قوتها تمنعها عن الانتقال منها الى غيرها