شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٣٠ - (تنبيه على مقدمة اخرى هي أيضا تفصيل شرائط ارتسام النفس
معلومة للعقول و للنفوس و كان ربما خطر ببال أحد ان النفوس لا تدرك هذه الجزئيات الا عند حصولها و أما العقول فان علمها الجزئيات بهذه حاضرا أبد فالشيخ دفع هذا الوهم بقوله و النفسان معا يعنى أن علم هذه العقول بالجزئيات كما أنه حاصل أبدا و كذا علم النفوس حاصل أبدا لانها علل هذه الجزئيات و هى عالمة بذواتها أبدا فهى عالمة بهذه الجزئيات أبدا فالعلمان موجودان معا لا تقدم لاحدهما على الآخر و انما احتاج الى ذلك لان غرضه أن يقول ان النفوس الناطقة يمكنها الاتصال بتلك المبادى فاذا كانت المبادى عالمة بجميع هذه الجزئيات أمكن انتقاش النفوس الناطقة بتلك العلوم حتى يدرك ما سيقع قبل وقوعه فحينئذ يحصل التمكن من الاخبار عن الغيوب
(اشارة [إلى المقدمة الثانية للقياس المذكور]
و لنفسك أن تنتقش بنقش ذلك العالم بحسب الاستعداد و روال الحائل و قد علمت ذلك فلا تستنكرن أن يكون بعض العيب ينتقش فيها من عالمه و لازيدنك استبصارا)
التفسير لما فرغ من المقدمة الاولى شرع الآن فى تقرير المقدمة الثانية و هى ان نفسنا الناطقة متمكنة من استفادة العلوم من تلك المبادى ثم بين هذه المقدمة فى هذا الفصل على سبيل الاجمال و من بعد ذلك بينها على سبيل التفصيل فاما لبيان الاجمالى فهو أن النفس الناطقة متمكنة من الاتصال بتلك المبادى لتستفيد العلوم منها فاذا كان الاتصال بها ممكنا و استفادة العلوم عند ذلك الاتصال حاصلا كانت هذه الاستفادة ممكنة و كان الاطلاع على الغيب ممكنا
(تنبيه [على مقدمة اخرى هي أيضا تفصيل شرائط ارتسام النفس]
القوى النفسانية متجاذبة متنازعه فاذا هاج الغضب شغل النفس عن الشهوة و بالعكس فاذا تجرد الحس الباطن لعلمه شغل عن الحس الظاهر فيكاد لا يرى و لا يسمع و بالعكس و اذا انجذب الحس الباطن الى الحس الظاهر أمال العقل آلته فانبت دون حركته الفكرية التي يفتقر فيها كثيرا الى آلته و عرض أيضا شيء آخر و هو أن النفس أيضا انما تنجذب الى جهة الحركة القوية فتنجلى عن أفعالها التي لها بالاستبداد و اذا استمكنت النفس من ضبط الحس الباطن تحت تصريفها خارت الحواس الظاهرة أيضا و لم يتأد عنها الى النفس ما يعتد به)
التفسير قال رضى اللّه عنه الآن شرع فى بيان تفصيل الكلام فى تمكن النفوس الناطقة من الاتصال بعقول الافلاك و نفوسها و اعلم ان الكلام فى ذلك يستدعى مقدمات فمن تلك المقدمات ما ذكره فى هذا الفصل و هى ان القوى النفسانية متجاذبة متنازعة فالنفس حال اشتغالها بتدبير القوة العقلية لا يمكنها الالتفات الى القوة الشهوانية و بالعكس و اذا اشتغل الحس الباطن بالحس الظاهر لم يتمكن العقل من استعمال الحس الباطن فلا يمكنه استخدام القوة المفكرة و لا يتمكن العقل حينئذ من الفكر و أيضا فان اشتغال النفس بما هى مستندة به يمنعها من اعانة سائر القوى على أفعالها فلا جرم متى احتاج البدن الى فعل قوى صادر عن القوى الجسمانية تركت النفس الاشتغال بافعالها التي لها بالاستبداد و انجذبت الى معاونة تلك القوة على ذلك الفعل و أيضا فالنفس اذا