شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢١ - (تنبيه في أن مقام الرضا في العارف يستلزم الهشاشة العامة
(تنبيه [في بيان أن العارف من آثر الحق على عرفانه]
من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثانى و من وجد العرفان كانه لا يجده بل يجد المعروف به فقد خاض لجة الوصول و هناك درجات ليست أقل من درجات ما قبلها آثرنا فيها الاختصار فانها لا يفهمها الحديث و لا تشرحها العبارة و لا يكشف منها المقال غير الخيال فمن أحب أن يتعرفها فليتدرج الى أن يصير من أهل المشاهدة دون المشافهة و من الواصلين الى العين دون السامعين للاثر)
التفسير لما أدعى فيما تقدم أن التبجح بزينة اللذات من حيث هى لذات و ان كان بالحق تيه أعاد هذا الكلام هاهنا فى معرض آخر و هو أن من كان مطلوبه من معرفة اللّه نفس تلك المعرفة فقد قال بالثانى أن له مطلوبات بالذات سوى اللّه تعالى و أما من كان مطلوبه من المعرفة المعروف حتى انه لو أمكنه وجدان المعروف لا بواسطة المعرفة لما كان يطلب المعرفة فهو قد خاض لجة الوصول و وصل الى قعر التحقيق و ساحل النجاة المطلق و أما قوله و هناك درجات ليست أقل من درجات ما قبلها فاعلم أن المحققين قالوا السفر سفران سفر الى اللّه و هو متناه لانه عبارة عن العبور عما سوى اللّه و اذا كان ما سوى اللّه متناهيا فالعبور عليه متناه و سفر فى اللّه و هو غير متناه لان نعوت جماله و جلاله غير متناه و لا يزال العبد يترقى من بعضها الى بعض و الشيخ انما تكلم فيما تقدم فى منازل السفر الى اللّه تعالى ثم انه نبه هاهنا على ان منازل السفر فى اللّه ليست أقل مما تقدم و أما قوله لا يفهمها الحديث و لا تشرحها العبارة فالسبب فيه ان الالفاظ لا توضع الا للمعانى المتصورة و لما لم تكن تلك الدرجات متصورة عند أهل اللغة كيف يمكنهم وضع الاسماء بازائها و أيضا فلو أمكنهم ذلك لكان الانسان لا يخاطب بتلك الالفاظ الموضوعة لتلك المعانى الا اذا حصلت عنده تلك التصورات و معلوم أن الجمهور لا يتصورون تلك المراتب و اذا كان كذلك استحال وصول العبارة الى تفهيم تلك الدرجات و اذا كان كذلك فكل من أحب أن يدركها فليجتهد الى أن يصير من الواصلين الى الغير لا من السامعين للاثر
(تنبيه [في أن مقام الرضا في العارف يستلزم الهشاشة العامة]
العارف هش بش سام يبجل الصعير