شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠٩ - (اشارة إلى غرض العارف من الزهد و العبادة
اللّه تعالى استحال أن يكون محبا لشيء سوى اللّه تعالى و أما حب اللّه تعالى فهو حاصل لان الشعور التام بكمال اللّه تعالى حاصل فى هذه الحالة مع أن هذا الشعور يوجب الحب فظهر بما قررنا أن حب اللّه تعالى قد ينفك عن كل ما عداه و أما الذي احتج به المنكرون من أن الارادة لا تتعلق الا بالممكن و الا بالحصة العائدة الى النفس فذلك هو المصادرة على المطلوب الأول فان عندنا العارف قد يريد اللّه تعالى لا لشيء سواه فالقول بانه لا يريد الا الممكن ادعاء لعين المطلوب و انه باطل فهذا تلخيص الكلام فى قوله العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره و أما قوله و لا يؤثر سببا على عرفانه فاعلم أنه يحتمل وجهين فانا ان قلنا الحق الأول ليستحيل أن يكون مرادا لذاته كان هذا الكلام تأويلا لما قبله أى معنى ما قلنا ان العارف يريد الحق الأول هو انه يريد معرفته و ان قلنا بصحة ذلك كانت هذه القضية بيانا لقوم آخرين و يصير كانه قال العارفون يريدون اللّه تعالى للّه فقط و هم الذين وصلوا الى الكمال الاقصى ثم يليهم قوم آخرون و هم الذين يطلبون معرفة اللّه تعالى و لا يؤثرون شيأ على تلك المعرفة و أما قوله و تعبده له فقط و لانه مستحق للعبادة و لانها نسبة شريفة اليه فاعلم انه لما نكلم فى ارادة العارفين تكلم فى تعبدهم و اعلم انهم فى ذلك على ثلاث طبقات فالطبقة الاولى فى الكمال و الشرف الذين يعبدونه لذاته لا لشيء آخر و الطبقة الثانية وهن التي تلى الاولى فى الكمال الذين يعبدونه لصفة من صفاته و هى كونه مستحقا للعبادة و الطبقة الثالثة و هى آخر درجات المحققين الذين يعبدونه لتستكمل نفوسهم بالانتساب الى عبادته و انما تأخرت هذه الطبقة عما قبلها لان المطلوب لهؤلاء انتسابهم اليه و ذلك لانتساب صفتهم فالمطلوب الأول لهم صفة من صفاتهم و أما الاولان فمطلوب أحدهم ذاته تعالى و مطلوب الآخر صفة من صفاته و شتان ما بين الدرجتين و لقد روى فى الاخبار انه عليه السلام لما عرج به و وصل الى ما وصل اليه من المقامات السنية و الدرجات الرفيعة أوحى اللّه تعالى اليه و قال بم أشرفك فقال عليه السلام أريد أن تشرفنى بان تنسبنى الى نفسك فنزل سبحان الذي أسرى بعبده ليلا و أما قوله لا لرغبة أو رهبة و ان كانتا فيكون المرغوب فيه أو المرهوب عنه هو الداعى و فيه المطلوب فالمراد منه أن الغرض من العبادة لو كان هو الوصول الى الثواب أو الهرب من العقاب لكان المقصود بل المعبود بالذات هو الثواب و العقاب و يكون كون اللّه تعالى معبودا داخلا فى الغرض لا بالذات بل بالعرض قوله لا لرغبة أو رهبة لا بد من تقييده بالرغبة فى الثواب و الرهبة عن العقاب و الا فحصول النسبة اليه غرص فكيف يقال مع ذلك انه لا غرض له الى ذلك الفعل