شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٠٨ - (اشارة إلى غرض العارف من الزهد و العبادة
(اشارة [إلى غرض العارف من الزهد و العبادة]
العارف يريد الحق الأول لا لشيء غيره و لا يؤثر شيأ على عرفانه و تعبده له فقط و لانه مستحق للعبادة و لانها نسبة شريفة اليه لا لرغبة أو رهبة و ان كانتا فيكون المرغوب فيه أو المرهوب عنه هو الداعى و فيه المطلوب و يكون الحق ليس هو الغاية بل الواسطة او شيء غيره هو الغاية و هو المطلوب دونه)
لما ذكر ما فى العبادات من المنافع شرع هاهنا فى بيان أن العارف لما ذا يريد اللّه تعالى و لما ذا يعيده فزعم أولا انه يريد اللّه للّه لا لغرض سواه و من الناس من أحال القول بذلك فزعم أن الارادة صفة لا تتعلق الا بالممكنات لانها صفة تقتضى ترجيح احد طرفى المراد على الآخر و ذلك لا يعقل الا فى الممكنات فاذا قلنا العارف يريد اللّه فمعناه أن العارف يريد معرفته و محبته و الالتذاذ بالنظر الى وجهه الكريم أو ثوابه أو الخلاص عن عقابه فيكون المراد بالحقيقة هذه الأشياء لا ذات اللّه تعالى و أيضا فالشيخ برهن فى أول النمط السادس أن كل مراد فلا بدّ و أن يكون حصوله أولى لذلك المريد من عدمه و يكون المطلوب بالقصد الأول حصول تلك الاولوية و هى على هذا الاصل ان كل من فعل الفعل بالارادة فهو مستكمل و اذا كان كذلك فكل من أراد اللّه تعالى لم يكن المراد الأول هناك ذات اللّه بل الاستكمال العائد منه الى المريد فلا يكون المراد الأول الا ذلك الاستكمال و أما المتألهون من الفلاسفة و الصوفية فقد اتفقوا عفى ان الانسان يصح أن يريد اللّه تعالى للّه لا لشيء سواه و احتجوا عليه بان الكمال محبوب لذاته و كلما كان الاطلاع على كمال المعلوم أتم كان حبه أشد و كلما كان الحب أشد كان الاستغراق به أشد و لانقطاع عما سواه أتم و ربما انتهى الامر فى ذلك الى أن يصير الانسان غافلا عن نفسه و عن حبه لذلك المحبوب بل كانه لا يبقى له شعور الا بالمحبوب فقط و العشق الشديد فى الشاهد مما يبين صدق هذه القضايا و اذا كان كذلك ففى تلك الحالة حب استكماله بالله تعالى غير حاصل لان حب الشيء مشروط بالشعور به فاذا كان هو فى هذه الحالة غافلا عن كل ما سوى