الإنحرافات الكبرى - سعيد أيوب - الصفحة ٤٠ - الأوائل والطوفان أعلام تحقير الانسان
٢ - تحقير أتباع الرسول :
وفقا لفقه ( ما نراك وما نرى ) الذي وضع قواعده كفار قوم نوح في بداية المسيرة البشرية ، وبعد أن قالوا لنوح عليه السلام : ( ما نراك إلا بشر مثلنا ) انتقلوا إلى أتباعه الذين آمنوا برسالته وقالوا : ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ) [٢٩] : قال المفسرون : الرذل أي الخسيس الحقير من كل شئ [٣٠] لقد قالوا له ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا كالباعة والحاكة وأشباههم ، ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء منا ، ثم هؤلاء الذين اتبعوك ، لم يكن عن ترو منهم ولا فكر ولا نظر بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك ، ولهذا قالوا . ( بادي الرأي ) [٣١] لقد نظروا إلى أتباع نوح عليه السلام . بمنظار الطبقة المملوءة الجيوب المنتفخة الأفخاخ والبطون .
ثم قالوا بعد أن فرغوا من تحقير أتباع نوح : ( وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ) أي أن دعوتكم لنا ونحن عندنا ما نتمتع به من مزايا الحياة الدنيا كالمال والبنين والقوة . إنما تستقيم لو كان لكم شئ من الفضل تفضلون به علينا من زينة الحياة الدنيا أو علم من الغيب ، حتى يوجب ذلك خضوعا منا لكم .
ونحن لا نرى شيئا من ذلك عندكم ، ودعوتكم هذه مع حالكم هذا ، تجعلنا نظن بأنكم كاذبون فيما تقولوه لنا ، وأنكم في الحقيقة لا تريدون إلا نيل ما بأيدينا من أموال وثروات . والاستعلاء علينا بالحكم والرئاسة [٣٢] .
وهكذا اتهموا نوحا عليه السلام بالتآمر عليهم عندما قالوا : ( ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ) [٣٣] واتهموه هو وأتباعه بنفس التهمة عندما قالوا : ( وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين ) [٣٤] إن الشذوذ والانحراف في قانونهم نظام ، قاعدة وغيره استثناء ، ومن يقترب من القاعدة بماء نظيف فهو خارج عن القانون ، لقد اتهموا الدعوة بأنها دعوة الجياع الذين يريدون
[٢٩] سورة هود ، الآية ٢٧ .
[٣٠] الميزان : ٢٠٢ / ١٠ .
[٣١] تفسير ابن كثير : ٤٤٢ / ٢ .
[٣٢] الميزان : ٢٠٤ / ١٠ .
[٣٣] سورة المؤمنون ، الآية : ٢٤ .
[٣٤] سورة هود ، الآية : ٢٧ .