الإنحرافات الكبرى - سعيد أيوب - الصفحة ٧٠ - عاد والأعمدة العالية إنحراف القوة
والآية : العلامة والبناء على الأماكن المرتفعة ، اخترعته عاد الأولى هروبا من الطوفان بعد أن شوهت الأساطير حقيقة طوفان قوم نوح ، واعتبروه ثورة طبيعية يمكن مقاومتها بالبناء فوق المرتفعات وتحصين المنشآت على الأرض ضد السيول . وبعد أن أهلك الله عادا الأولى ، جاءت عاد الثانية إلى الأحقاف ، وقاموا بسلخ العمد من الجبال حتى إن العمود الواحد كان بطول الجبل ، ثم ينقلون هذه الأعمدة وينصبونها ويبنون عليها القصور [١٨] ، ولقد أخبرهم هود عليه السلام أن هذا العمل لا يدرج إلا تحت عنوان العبث ، لأن اليوم العظيم إذا جاء فلن تقف أمامه علامات فوق المرتفعات ، ولا حصون وقلاع على الأرض الممهدة ، فعملهم هذا عبث لا احتياج إليه ، وهو في الحقيقة مجرد لهو وإظهار للقوة [١٩] ثم انتقل عليه السلام إلى الشطر الثاني من حضارة القوة فقال :
( وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ) قيل : المصانع كانت لنحت الجبال وبناء القصور . وقيل : هي البروج المشيدة والبنيان المخلد [٢٠] وكان القوم يعتقدون أن هذه المصانع كافية لحمايتهم من الموت ووقايتهم من مؤثرات الجو ومن غارات الأعداء . . فقال لهم عليه السلام : أتتخذون مصانع لكي تقيموا فيها أبدا .
وذلك ليس بحاصل لكم بل زائل عنكم كما زال عمن كان قبلكم [٢١] .
وبعد أن انتقد أعمدة عاد التي أقامت عاد عليها حضارتها وثقافتها الحديدية انتقل من الأعمدة الصخرية إلى الأعمدة التي . تتكون من لحم ودم وعظم وقال لهم : ( وإذا بطشتم بطشتم جبارين ) لقد وصفهم بالقوة والغلظة والجبروت [٢٢] " إذا بطشتم " أي إذا أخذتم وسطوتم " بطشتم جبارين " أي قتلا بالسيف وضربا بالسوط . والجبار هو الذي يقتل ويضرب على الغضب [٢٣] لقد ربط عليه السلام بين الأعمدة . بين الحجارة والدماء . فأعمدة هناك تنحت من الصخر ليرفع فوقها أعلام التحدي ورجاء الخلود ، وأعمدة من لحم ودماء نزلت
[١٨] كتاب الأنبياء / ٩٦ .
[١٩] البغوي : ٢٢٩ / ٦ .
[٢٠] البغوي : ٢٢٩ / ٦ .
[٢١] البغوي ٢٩٩ / ٦ .
[٢٢] البغوي : ٢٢٩ / ٦ .
[٢٣] ابن كثير : ٢٢٩ / ٦ .