الإنحرافات الكبرى - سعيد أيوب - الصفحة ١٦٥ - الأيكة ولهيب تحت الظلال إنحراف الكيل والميزان
مدين . فأرسل الله إليهم شعيبا وكان من أشرفهم نسبا ولهذا قال ( أخاهم شعيبا ) [١٠] فأمرهم شعيب عليه السلام بعبادة الله وحده لا شريك له ناهيا لهم عن الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة . ثم خصص نقص المكيال والميزان من بين معاصيهم بالذكر ، دلالة على شيوعه بينهم وإقبالهم عليه ، وإفراطهم فيه . بحيث ظهر فساده وبان سئ أثره . فأوجب ذلك شدة اهتمام به من داعي الحق . فدعاهم إلى تركه بتخصيصه بالذكر من بين المعاصي . ثم قال لهم : ( إني أراكم بخير ) أي أشاهدكم في خير . وهو ما أنعم الله تعالى عليكم من المال ، وسعة الرزق والرخص والخصب . فلا حاجة لكم إلى نقص المكيال والميزان ، واختلاس القليل اليسير من أشياء الناس . طمعا في ذلك من غير سبيله المشروع وظلما وعتوا ، وعلى هذا فقوله : ( إني أراكم بخير ) تعليل لقوله ( ولا تنقصوا المكيال والميزان ) .
ويمكن تعميم الخير . بأن يراد به ، أنكم مشمولون لعناية الله ، معنيون بنعمه ، آتاكم عقلا ورشدا ورزقكم رزقا ، فلا مسوغ لأن تعبدوا الآلهة من دونه وتشركوا به غيره . وأن تفسدوا في الأرض بنقص المكيال والميزان ، وعلى هذا يكون تعليلا لما تقدمه من قوله : ( اعبدوا الله ) إلخ وقوله : ( ولا تنقصوا ) إلخ . فمحصل قوله : ( إني أراكم ) إلى آخر الآية : أن هناك رادعين يجب أن يردعاكم عن معصية الله :
أحدهما : أنكم في خير ولا حاجة لكم إلى بخس أموال الناس من غير سبيل حلها .
وثانيهما : أن وراء مخالفة أمر الله يوما محيطا يخاف عذابه ، ومعنى كون اليوم - وهو يوم العذاب - محيطا . . أنه لا مخرج منه ولا مفر ولا ملاذ من دون الله ، فلا يدفع فيه ناصر ولا معين ، ولا ينفع فيه توبة [١١] ، وبعد أن أنار عليه السلام لهم الطريق بمشعل الهداية ، قال : ( يا قوم أوفوا المكيال والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) لقد دعاهم أولا في صدر حديثه إلى الصلاح بالنهي عن
[١٠] تفسير ابن كثير : ٤٥٥ / ٢ .
[١١] الميزان : ٣٦٢ / ١٠ .