البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٤٦ - لثغة واصل بن عطاء و أخباره
و في واصل يقول صفوان:
فما مس دينارا و لا صر درهما # و لا عرف الثوب الذي هو قاطعه
و فيه يقول أسباط بن واصل الشيباني:
و أشهد أن اللّه سماك واصلا # و أنك محمود النقيبة و الشيم
و لما قام بشار بعذر إبليس في أن النار خير من الأرض، و ذكر واصلا بما ذكره به صفوان:
زعمت بأن النار أكرم عنصرا # و في الأرض تحيا بالحجارة و الزند
و تخلق في أرحامها و أرومها # أعاجيب لا تحصى بخط و لا عقد [١]
و في القعر من لج البحار منافع # من اللؤلؤ المكنون و العنبر الورد
كذلك سر الأرض في البحر كله # و في الغيضة الغناء و الجبل الصلد
و لا بد من أرض لكل مطير # و كل سبوح في الغمائر من جد [٢]
كذاك و ما ينساح في الأرض ماشيا # على بطنه مشي المجانب للقصد [٣]
و يسري على جلد يقيم حزوزه # تعمج ماء السيل في صبب حرد [٤]
و في قلل الأجبال خلف مقطم # زبرجد أملاك الورى ساعة الحشد
و في الحرة الرجلاء تلفى معادن # لهن مغارات تبجس بالنقد [٥]
من الذهب الإبريز و الفضة التي # تروق و تصبي ذا القناعة و الزهد
و كل فلز من نحاس و آنك # و من زئبق حي و نوشاذر يسدي [٦]
[١] الأروم: جمع أرومة، و هي الأصل. العقد: ضرب من الحساب.
[٢] الغمائر: جمع غمير، و هو الماء الكثير. الجد، بالضم و الفتح: شاطئ النهر، أي لا بد لكل سابح من شاطئ.
[٣] ينساح: يمشي على بطنه.
[٤] التعمج: التلوي. الصبب: الموضع المنحدر. الحرد: المتنحي المعتزل.
[٥] الحرة: أرض حجارتها سوداء. الرجلاء: التي لا يستطاع المشي فيها لخشونتها و صعوبتها.
تبجس بالنقد: تنفجر بالذهب و الفضة.
[٦] الفلز: جواهر الأرض كلها. الآنك: الرصاص قال كراع: هو القصدير. و جعل الزئبق حيا لسرعة حركته. النوشاذر: حجر صاف.