البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٩ - مقدمة عامة
و أوضح مذهبه هذا بقوله: «فالقصد في ذلك تجنب السوقي و الوحشي، و لا تجعل همك في تهذيب الألفاظ و شغلك في التخلص إلى غرائب المعاني. و في الاقتصاد بلاغ و في التوسط مجانبة للوعورة و خروج من سبيل من لا يحاسب نفسه» [١] .
و ينظر الجاحظ في أصل اللغة، و يذهب إلى أنها توقيف، أو وحي من اللّه. فجد العرب إسماعيل بن إبراهيم ألهم العربية على غير التلقين و التمرين و هو في الرابعة عشرة من عمره. و يقدم عدة أدلة على أنها توقيف: منها كلام عيسى في المهد، و إنطاق اللّه يحيى بالحكمة صبيا، و كلام حواء و آدم. و معنى ذلك أن الإنسان يحتاج ليتفاهم مع بني جلدته إلى اللغة، و حواء و آدم لم يعلمهما أحد اللغة، فكان لا بد من أن يلهمهما اللّه إياها. و إذا لم يكن إسماعيل أول عربي تكلم العربية فينبغي أن يكون ثمة أب آخر للعرب كان أول عربي من جميع بني آدم تكلم العربية. و منها ما تفوّه به ذئب اهبان بن أوس، و غراب نوح و هدهد سليمان، و النملة و حمار عزيز و قد أنطق اللّه هذه الحيوانات بقدرته و سخرها لمعرفته، فلم لا يكون الإنسان مثلها قد أنطقه اللّه بمشيئته؟ و يربط الجاحظ تعلم اللغة بالمعرفة، و يذهب إلى أن الإنسان يعرف الأمور طباعا بواسطة ما منحه اللّه من ذكاء، و لا يحول دونه و المعرفة سوى موانع كالأخلاط الأربعة و سوء العادة و الشواغل العارضة و خرق المعلم و إذا أزال اللّه تلك الموانع و صفا ذهن الإنسان وقعت المعرفة [٢] .
و ثمة دليل آخر على أن اللّه مصدر اللغة، هو وجود ألفاظ في القرآن لم يعرفها عرب الجاهلية، إنها من اختراع اللّه الذي أوحى بها إلى النبي. يقول مشيرا إلى ذلك: «و قد علمنا أن قولهم لمن لم يحج صرورة، و لمن أدرك
[١] المصدر ذاته، ج ١، ص ١٧٣.
[٢] المصدر ذاته، ج ٤، ص ٥-٨.