البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٧٥ - البيان منزلة بين الإسهاب و الإيجاز
و قال رجل مرة: «أبي الذي قاد الجيوش، و فتح الفتوح، و خرج على الملوك، و اغتصب المنابر» . فقال له رجل من القوم: لا جرم، لقد أسر و قتل و صلب!قال: فقال له المفتخر بأبيه: دعني من أسر أبي و قتله و صلبه، أبوك أنت حدث نفسه بشيء من هذا قط؟
[البيان منزلة بين الإسهاب و الإيجاز]
قد سمعنا رواية القوم و احتجاجهم، و أنا أوصيك ألا تدع التماس البيان و التبيين إن ظننت أن لك فيها طبيعة، و إنهما يناسبانك بعض المناسبة، و يشاكلانك في بعض المشاكلة، و لا تهمل طبيعتك فيستولي الإهمال على قوة القريحة، و يستبد بها سوء العادة. و إن كنت ذا بيان و أحسست من نفسك بالنفوذ في الخطابة و البلاغة، و بقوة المنّة يوم الحفل، فلا تقصر في التماس أعلاها سورة [١] ، و أرفعها في البيان منزلة. و لا يقطعنّك تهييب الجهلاء، و تخويف الجبناء، و لا تصرفنك الروايات المعدولة عن وجوهها، المتأولة على أقبح مخارجها.
و كيف تطيعهم بهذه الروايات المعدولة، و الأخبار المدخولة، و بهذا الرأي الذي ابتدعوه من قبل أنفسهم، و قد سمعت اللّه تبارك و تعالى، ذكر داود النبي صلوات اللّه عليه، فقال: وَ اُذْكُرْ عَبْدَنََا دََاوُدَ ذَا اَلْأَيْدِ إِنَّهُ أَوََّابٌ إلى قوله:
وَ فَصْلَ اَلْخِطََابِ . فجمع له بالحكمة البراعة في العقل، و الرجاحة في الحلم، و الاتساع في العلم، و الصواب في الحكم، و جمع له بفصل الخطاب تفصيل المجمل، و تلخيص الملتبس، و البصر بالحزّ في موضع الحز، و الحسم في موضع الحسم.
و ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله شعيبا النبي عليه السلام، فقال: «كان شعيب خطيب الأنبياء» . و ذلك عند بعض ما حكاه اللّه في كتابه، و جلاه لأسماع عباده.
[١] السورة: المنزلة الرفيعة.