البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٧٢ - ذم فضول الكلام و مدح الصمت
قريش و رجالهم. و إنما سمي القباع لأنه أتي بمكتل [١] لأهل المدينة، فقال إن هذا المكتل لقباع!فسمي به. و القباع: الواسع الرأس القصير. و قال الفرزدق فيه لجرير:
و قبلك ما أعييت كاسر عينه # زيادا فلم تقدر عليّ حبائله
فأقسمت لا آتيه تسعين حجة # و لو كسرت عنق القباع و كاهله
و قال أبو الأسود:
أمير المؤمنين جزيت خيرا # أرحنا من قباع بني المغيرة
بلوناه و لمناه فأعيا # علينا ما يمر لنا مريرة
على أن الفتى نكح أكول # و مسهاب مذاهبه كثيرة
و قال الشاعر [٢] :
إياك إياك المراء فإنه # إلى الشر دعّاء و للصرم جالب
و قال أبو العتاهية:
و الصمت أجمل بالفتى # من منطق في غير حينه
كلّ امرئ في نفسه # أعلى و أشرف من قرينه
و كان سهل بن هارون يقول: «سياسة البلاغة أشد من البلاغة، كما أن التوقي على الدواء أشد من الدواء» .
و كانوا يأمرون بالتبين و التثبت، و بالتحرز من زلل الكلام، و من زلل الرأي، و من الرأي الدبريّ. و الرأي الدبري هو الذي يعرض من الصواب بعد مضي الرأي الأول و فوت استدراكه.
و كانوا يأمرون بالتحلم و التعلم، و بالتقدم في ذلك أشد التقدم.
[١] المكتل: زنبيل كبير.
[٢] نسب البيت للفضل بن عبد الرحمن القرشي، ينهى به ابنه عن الجدل.