البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٤ - مقدمة عامة
يدخل بعض كلامه في بعض، و اللجلاج هو الذي يبطئ في كلامه و ينقص منه. و ذو الحكلة هو الذي لا يبين كلامه و يعجز عن اللفظ حتى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال [١] .
أما اللحن فهو الخطأ في تحريك حروف الكلمة من ضم و كسر و فتح و سكون. و قد شاع اللحن في العصر العباسي بسبب اختلاط العرب بغيرهم من الشعوب الأعجمية التي أرادت أن تتكلم العربية فلم تستطع المحافظة على سلامتها من الخطأ في اللفظ و الحركات. و قد أورد الجاحظ أمثلة كثيرة على هذه الظاهرة اللغوية. يقول: «قال بشر بن مروان، و عنده عمر بن عبد العزيز لغلام له: ادع لي صالحا. فقال الغلام: يا صالحا. فقال له بشر: الق منها ألف. قال له عمر: و أنت فزد في الفك ألفا» [٢] .
و لم يقتصر اللحن على الأعاجم الذين تكلموا العربية و لا على المدن التي كثر فيها الاختلاط بين العرب و الأعاجم، بل فشا بين العرب الأقحاح و بين أهل الأمصار التي تعتبر معقل العربية مثل المدينة «ثم اعلم أن أقبح اللحن لحن أصحاب التقعير و التقعيب و التشديق و التمطيط و الجهورة و التفخيم، و أقبح من ذلك لحن الأعاريب النازلين على طرق السابلة، و بقرب مجامع الأسواق.
و لأهل المدينة ألسن ذلقة، و ألفاظ حسنة و عبارة جيدة، و اللحن في عوامهم فاش، و على من لم ينظر في النحو منهم غالب» [٣] .
لم يكتف الجاحظ بملاحظة وجوه الخطأ التي تقع في اللفظ بل راح يبحث، بفضوله العلمي، عن علاقتها باللسان و الأسنان و التنفس و الشفاه التي تشترك في إخراج الحروف معتمدا على السماع و الملاحظة و التجربة.
فالشفة الفلحاء أو العلماء تؤثر في حسن التلفظ، يقول الجاحظ مشيرا إلى ذلك «و قال عمر بن الخطاب رحمه اللّه في سهيل بن عمرو الخطيب: يا
[١] المصدر ذاته، ج ١، ص ٣١-٣٢.
[٢] الجاحظ، البيان و التبيين، ج ذاته، ص ١٦٧.
[٣] المصدر ذاته، ج ١، ص ١٠٢.