البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٨ - مقدمة عامة
البليغ هو الكلام الذي يبلغ المعاني التي في رأس المتكلم إلى عقل السامع.
و لا يتأتى له ذلك إلا إذا كان واضحا و على أقدار المعاني. و بذا يخالف الجاحظ مفهوم البلاغة السائد أي الإيجاز. إن الكلام البليغ ليس هو الكلام الموجز و ليس الكلام المسهب بل الكلام المساوي للمعاني «و إنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، و قليلها لقليلها، و شريفها لشريفها، و سخيفها لسخيفها، و المعاني المصغرة البائنة بصورها و جهاتها تحتاج من الألفاظ إلى أقل ما تحتاج إليه المعاني المشتركة و الجهات الملتبسة» [١] .
و من شروط البلاغة موافقة الكلام لمقتضى الحال أو للموضوع الذي يجري فيه الكلام. «و يجب على المتكلم أن يوازن بين المعاني و أقدار المستمعين و أقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما و لكل حالة من ذلك مقاما» [٢] .
و من شروط البلاغة متانة العبارة التي تعني ربط ألفاظ الجملة ببعضها ربطا محكما لا هلهلة فيه و لا خلل «فأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغا و سبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان» [٣] .
و من شروط البلاغة الطبع، و هو يعني الموهبة و عدم التكلف. و إذا كان الكلام صحيح الطبع بعيدا عن الاستكراه و منزها عن الاختلال، مصونا عن التكلف صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة.. » [٤] و قد ركز الجاحظ على شرط الطبع عملا بفلسفته الطبيعية التي تفسر الفن كما تفسر المعرفة و الأخلاق بالطباع كما صدر في جميع آرائه عن مذهبه الاعتزالي الوسطي المنزلة بين المنزلتين-و طبق ذلك على البلاغة و الفصاحة، فاعتبر خير الكلام ما وقع وسطا بين الوحشي و السوقي، و ما وقع وسطا بين الإيجاز و الإطناب.
[١] الجاحظ، الحيوان، ج ٦، ص ٨.
[٢] الجاحظ، البيان و التبيين، غ ١، ص ٩٧.
[٣] المصدر ذاته، ج ١، ص ٥٠.
[٤] المصدر ذاته، ج ١، ص ٦١.