البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٣٥ - طبقات الكلام
فتمايلت عليهم # ميل زنكي بمستي [١]
قد حسا الداذي صرفا # أو عقارا بايخست [٢]
ثم گفتم دور باد # ويحكم آن خر كفت [٣]
إن جلدي دبغته # أهل صنعاء بجفت [٤]
و أبو عمرة عندي # آن كوربد نمست [٥]
جالس!ندر مكناد # أيا عمد ببهشت [٦]
[طبقات الكلام]
و كما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا، و ساقطا سوقيا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا، إلا أن يكون المتكلم بدويا أعرابيا، فإن الوحشيّ من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقيّ رطانة السوقي. و كلام الناس في طبقات كما أن الناس أنفسهم في طبقات. فمن الكلام الجزل و السخيف، و المليح و الحسن، و القبيح و السمج، و الخفيف و الثقيل، و كله عربي، و بكلّ قد تكلموا، و بكلّ قد تمادحوا و تعايبوا. فإن زعم زاعم أنه لم يكن في كلامهم تفاضل، و لا بينهم في ذلك تفاوت، فلم ذكروا العييّ و البكيء، و الحصر و المفحم، و الخطل و المسهب، و المتشدّق، و المتفيهق، و المهمار، و الثرثار، و المكثار و الهمار، و لم ذكروا الهجر و الهذر، و الهذيان و التخليط و قالوا: رجل تلقّاعة [٧] ، و فلان يتلهيع في خطبته [٨] . و قالوا: فلان
[١] «عليه مثل زنكي «تحريف. الزنكي: الزنجي. مستى السكر و إدمان الشراب.
[٢] الداذي: نبت له عنقود مستطيل. العقار: الخمر. بايخست: الشراب على الريق بالفارسية.
[٣] كفتم: قلت. دور باد: معاذ اللّه. آن: اسم إشارة. خر: البليد الأحمق. كفت: قال.
[٤] جفت: ثمرة.
[٥] أبو عمرة: كنية الجوع. كور: أعمى أو أعور. معناه كان أعمى و ليس ثملا.
[٦] أندر بمعنى في. مكناد بمعنى لا تجعل. ببهشت: في الجنة.
[٧] التلقاعة: الكثير الكلام.
[٨] تلهيع: أفرط.