البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٤١ - باب من الأسجاع في الكلام
و سمعت غلاما لصديق لي، و كان قد سقي بطنه [١] ، و هو يقول لغلمان مولاه: «اذهبوا بي إلى الطبيب و قولوا قد اكتوى» . و هذا الكلام يخرج وزنه على خروج فاعلاتن مفاعلن، فاعلاتن مفاعلن مرتين. و قد علمت أن هذا الغلام لم يخطر على باله قط أن يقول بيت شعر أبدا. و مثل هذا كثير، و لو تتبعته في كلام حاشيتك و غلمانك لوجدته.
و كان الذي كرّه الأسجاع بعينها و إن كانت دون الشعر في التكلف و الصنعة، أن كهان العرب الذين كان أكثر الجاهلية يتحاكمون إليهم، و كانوا يدعون الكهانة و أن مع كلّ واحد منهم رئيا من الجن مثل حازي جهينة [٢] ، و مثل شقّ و سطيح، و عزّى سلمة و أشباههم، كانوا يتكهنون و يحكمون بالأشجاع، كقوله: «و الأرض و السماء، و العقاب الصقعاء [٣] ، واقعة ببقعاء [٤] ، لقد نفر المجد بني الشعراء، للمجد و السناء» .
و هذا الباب كثير. أ لا ترى أن ضمرة بن ضمرة، و هرم بن قطبة، و الأقرع ابن حابس، و نفيل بن عبد العزّى كانوا يحكمون و ينفّرون بالأسجاع. و كذلك ربيعة بن حذار.
قالوا: فوقع النهي في ذلك الدهر لقرب عهدهم بالجاهلية، و لبقيتها فيهم و في صدور كثير منهم، فلما زالت العلة زال التحريم.
و قد كانت الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين، فيكون في تلك الخطب أسجاع كثيرة، فلا ينهونهم.
و كان الفضل بن عيسى الرّقاشي سجّاعا في قصصه. و كان عمرو بن عبيد، و هشام بن حسان، و أبان بن أبي عياش، يأتون مجلسه. و قال له داود ابن أبي هند: لو لا أنك تفسر القرآن برأيك لأتيناك في مجلسك. قال: فهل
[١] سقي بطنه: اجتمع فيه ماء أصفر.
[٢] الحازي: الكاهن.
[٣] الصقعاء: التي في وسط رأسها بياض.
[٤] البقعاء: الأرض ذات الحصى الصغار.