البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٨ - مقدمة عامة
ألّف الجاحظ كتاب البيان و التبيين (القسم الأول منه) في الفترة التي اتصل فيها بالقاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي النزعة (بعد ٢٣٢ هـ) و نال عليه جائزة سنية تبلغ خمسة آلاف دينار، و أتمه بعد انتقاله إلى البصرة عند ما طعن في السن [١] . و قد شرع بتأليفه بعد كتاب الحيوان كما يتضح من كلام الجاحظ ذاته حيث يقول: «كانت العادة في كتاب الحيوان أن أجعل في كل مصحف من مصاحفه عشر و رقات من مقطعات الأعراب و نوادر الأشعار لما ذكرت عجبك بذلك فأحببت أن يكون حظ هذا الكتاب من ذلك أوفر إن شاء اللّه» [٢] .
و يلاحظ أن الجاحظ تناول موضوع البيان في مقدمة الحيوان و الجزء الأول من البيان و التبيين مرددا الأفكار ذاتها، و إذا كانت مقدمة «الحيوان» كتبت بعد الفراغ من تأليفه فهل يعني ذلك أنه طرق الموضوع على عجل في مقدمة «الحيوان» ثم استأنف التوسع فيه في «البيان و التبيين» ؟.
مهما كان من أمر فقد جاء كتاب البيان و التبيين استجابة لاهتمام العرب في ذلك العصر بصناعة الكلام لأن الكلام هو الوسيلة المثلى لنشر المبادئ السياسية و العقائد الدينية في زمن كثرت المذاهب و اشتد الصراع بين زعمائها و احتدم الجدل بين أنصارها. فمست الحاجة إلى التمرس بالخطابة و المناظرة و إلى وضع أصول لها تتعلم أو يرجع إليها. و قد أشار الجاحظ إلى النشاط الذي بدأ يبذل في تعليم أسس الخطابة حيث يقول: «مرّ بشر بن المعتمر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة السكوني الخطيب، و هو يعلم فتيانهم الخطابة، فوقف بشر، فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد أو ليكون رجلا في النظارة، فقال بشر:
اضربوا عما قال صفحا و اطووا عنه كشحا، ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره و تنميقه» [٣] . كما أشار إلى حاجة المتكلم الماسة إلى البيان لأنه مضطر
[١] ياقوت الحموي، معجم الادباء، ج ١٦، ٧٩-٨٠.
[٢] الجاحظ، البيان و التبيين، ج ٣، ص ١٤-.
[٣] المصدر ذاته، ج ١، ص ٩٤-٩٥