البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٧٤ - عبد اللّه بن شبرمة
و سئل عن رجل، فقال: إن له شرفا و بيتا و قدما. فنظروا فإذا هو ساقط من السفلة. فقيل له في ذلك، فقال: ما كذبت، شرفه أذناه، و قدمه التي يمشي عليها، و لا بد من أن يكون له بيت يأوي إليه.
قال أبو إسحاق [١] : قد لعمري كذب، إنما هو كقول القائل حين سأله بعض من أراد تزويج حرمته عن رجل، فقال: «هو يبيع الدواب» . فلما نظروا في أمره وجدوه يبيع السنانير، فلما سئل عن ذلك قال: ما كذبت، لأن السنور دابة.
قال أبو إسحاق: بل لعمري لقد كذب، هذا مثل قول القائل حين سئل عن رجل في تزويج امرأة فقال: «رزين المجلس، نافذ الطعنة» . فحسبوه سيدا فارسا، فنظروا فوجدوه خياطا!فسئل عن ذلك فقال: ما كذبت، لطويل الجلوس، جيد الطعن بالإبرة.
قال أبو إسحاق: بل لعمري لقد كذب، لأنه قد غرّهم منه.
و كذلك لو سأله رجل عن رجل يريد أن يسلفه مالا عظيما، فقال: «هو يملك مالا ما كان يبيعه بمائة ألف و مائة ألف» ، فلما بايعه الرجل وجده معدما ضعيف الحيلة، فلما قيل له في ذلك قال: ما كذبت، لأنه يملك عينيه و أذنيه و أنفه و شفتيه و يديه. حتى عد جميع أعضائه و جوارحه.
و من قال للمستشير هذا القول فقد غره و ذلك ما لا يحل في دين، و لا يحسن في الحرية. و هذا القول معصية للّه، و المعصية لا تكون صدقا و أدنى منازل هذا الخبر أن لا يسمى صدقا، فأما التسمية له بالكذب فإن فيها كلاما يطول.
[١] هو إبراهيم بن سيار النظام، أستاذ الجاحظ، و رئيس فرقة من فرق المعتزلة. قال إن الأجسام تتجزأ إلى ما لا نهاية، كما قال بالطفرة و الكمون. و قد روى الجاحظ الكثير من آرائه و أقواله. توفي سنة ٢٢١ هـ على الأرجح.