البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٧١ - ذم فضول الكلام و مدح الصمت
و قال العائشي، و خالد بن خداش: حدثنا مهدي بن ميمون، عن غيلان ابن جرير، عن مطرّف بن عبد اللّه بن الشّخير و عن أبيه قال: قدمنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في وفد فقلنا: يا رسول اللّه، أنت سيدنا، و أنت أطولنا علينا طولا [١] ، و أنت الجفنة الغراء [٢] . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «أيها الناس، قولوا بقولكم و لا يستفزنكم الشيطان، فإنما أنا عبد اللّه و رسوله» .
قال: و قال خالد بن عبد اللّه القسري، لعمر بن عبد العزيز: من كانت الخلافة زانته فقد زيّنتها، و من كانت شرفته فقد شرّفتها. فأنت كما قال الشاعر:
و تزيدين أطيب الطيب طيبا # أن تمسّيه أين مثلك أينا
و إذا الدر زان حسن وجوه # كان للدر حسن وجهك زينا
فقال عمر: إن صاحبكم أعطي مقولا، و لم يعط معقولا.
و قال الشاعر:
لسانك معسول و نفسك شحّة # و دون الثريا من صديقك مالكا
و أخبرنا بإسناد له، أن أناسا قالوا لابن عمر: ادع اللّه لنا بدعوات.
فقال: «اللهم ارحمنا و عافنا و ارزقنا» . فقالوا: لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن.
قال: نعوذ باللّه من الإسهاب.
و قال أبو الأسود الدؤلي [٣] ، في ذكر الإسهاب، يقولها في الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة بن المغيرة، و الحارث هو القباع، و كان خطيبا من وجوه
[١] الطول: الفضل.
[٢] الغراء: البيضاء، أي أنها مملوءة بالشحم و الدهن.
[٣] أبو الأسود الدؤلي: عاش في خلافة علي بن أبي طالب و اتصل به، و أسهم في وضع أسس النحو كما قرض الشعر.