البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٢٧ - عودة إلى المفاضلة بين الصمت و الكلام
صاحبه، و نفع الكلام يعم و يخص، و الرواة لم ترو سكوت الصامتين، كما روت كلام الناطقين، و بالكلام ارسل اللّه أنبياءه لا بالصمت، و مواضع الصمت المحمودة قليلة، و مواضع الكلام المحمودة كثيرة، و طول الصمت يفسد اللسان.
و قال بكر بن عبد اللّه المزني: «طول الصمت حبسة» كما قال عمر بن الخطاب رحمه اللّه: «ترك الحركة عقلة» .
و إذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، و تبلّدت نفسه، و فسد حسّه.
و كانوا يروون صبيانهم الأرجاز، و يعلّمونهم المناقلات، و يأمرونهم برفع الصوت و تحقيق الإعراب، لأن ذلك يفتق اللهاة، و يفتح الجرم [١] .
و اللسان إذا أكثرت تقليبه رق و لان، و إذا أقللت تقليبه و أطلت إسكاته جسأ و غلظ.
و قال عباية الجعفيّ: «لو لا الدربة و سوء العادة لأمرت فتياننا أن يماري بعضهم بعضا» .
و أية جارحة منعتها الحركة، و لم تمرّنها على الاعتمال، أصابها من التعقّد على حسب ذلك لمنع. و لم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للنابغة الجعدي: «لا يفضض اللّه فاك» ؟و لم قال لكعب بن مالك: «ما نسي اللّه لك مقالك ذلك» ؟و لم قال لهيذان بن شيخ: «ربّ خطيب من عبس» ؟و لم قال لحسان: «هيّج الغطاريف على بني عبد مناف، و اللّه لشعرك أشد عليهم من وقع السهام، في غبش الظلام» [٢] ؟ و ما نشك أنه عليه السلام قد نهى عن المراء، و عن التزيد و التكلف، و عن كل ما ضارع الرياء و السمعة، و النفج و البذخ، و عن التهاتر و التشاعب، و عن المماتنة و المغالبة [٣] . فأما نفس البيان، فكيف ينهى عنه.
[١] الجرم: الحلق.
[٢] الغبش: شدة الظلمة.
[٣] المماتنة: المعارضة في الجدل و الخصومة.