البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٣٦ - طبقات الكلام
يخطئ في جوابه، و يحيل في كلامه، و يناقض في خبره. و لو لا أن هذه الأمور قد كانت تكون في بعضهم دون بعض لما سمي ذلك البعض البعض الآخر بهذه الأسماء.
و أنا أقول: إنه ليس في الأرض كلام هو أمتع و لا آنق، و لا ألذ في الأسماع، و لا أشد اتصالا بالعقول السليمة، و لا أفتق للسان، و لا أجود تقويما للبيان، من طول استماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء، و العلماء البلغاء.
و قد أصاب القوم في عامة ما وصفوا، إلا أني أزعم أن سخيف الألفاظ مشاكل لسخيف المعاني. و قد يحتاج إلى السخيف في بعض المواضع، و ربما أمتع بأكثر من امتاع الجزل الفخم من الألفاظ، و الشريف الكريم من المعاني. كما أن النادرة الباردة جدا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدا. و إنما الكرب الذي يختم على القلوب، و يأخذ بالأنفاس، النادرة الفاترة التي لا هي حارة و لا باردة، و كذلك الشعر الوسط، و الغناء الوسط، و إنما الشأن في الحار جدا و البارد جدا.
و كان محمد بن عباد بن كاسب يقول: و اللّه لفلان أثقل من مغن وسط و أبغض من ظريف وسط.
و متى سمعت-حفظك اللّه-بنادرة من كلام الأعراب، فإياك أن تحكيها إلا مع إعرابها و مخارج ألفاظها، فإنك إن غيّرتها بأن تلحن في إعرابها و أخرجتها مخارج كلام المولدين و البلديين، خرجت من تلك الحكاية و عليك فضل كبير. و كذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام، و ملحة من ملح الحشوة و الطغام، فإياك و أن تستعمل فيها الإعراب، أو تتخير لها لفظا حسنا، أو تجعل لها من فيك مخرجا سريا، فإن ذلك يفسد الامتاع بها، و يخرجها من صورتها، و من الذي أريدت له، و يذهب استطابتهم إياها و استملاحهم لها.
ثم اعلم أن أقبح اللحن لحن أصحاب التقعير و التقعيب، و التشديق و التمطيط و الجهورة و التفخيم. و أقبح من ذلك لحن الأعاريب النازلين على طرق السابلة، و بقرب مجامع الأسواق.