البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٧٥ - خالد بن صفوان
[خالد بن صفوان]
و من الخطباء المشهورين في العوامّ، و المقدمين في الخواصّ: خالد بن صفوان الأهتمي، زعموا جميعا أنه كان عند أبي العباس أمير المؤمنين و كان من سمّاره و أهل المنزلة عنده، ففخر عليه ناس من بلحارث بن كعب و أكثروا في القول، فقال أبو العباس: لم لا تتكلم يا خالد؟فقال: أخوال أمير المؤمنين و أهله قال: فأنتم أعمام أمير المؤمنين و عصبته فقل. قال خالد: «و ما عسى أن أقول لقوم كانوا بين ناسج برد، و دابغ جلد، و سائس قرد، و راكب عرد [١] ، دل عليهم هدهد، و غرّقتهم فأرة، و ملكتهم امرأة» . فلئن كان خالد قد فكر و تدبر هذا الكلام إنه للراوية الحافظ، و المؤلف المجيد، و لئن كان هذا شيئا حضره حين حرّك و بسط فما له نظير في الدنيا.
فتأمل هذا الكلام فإنك ستجده مليحا مقبولا، و عظيم القدر حليلا. و لو خطب اليماني بلسان سحبان وائل حولا كريتا [٢] ، ثم صكّ بهذه الفقرة ما قامت له قائمة.
و كان أذكر الناس لأول كلامه، و أحفظهم لكل شيء سلف من منطقه.
و قال مكيّ بن سوادة في صفته له:
عليم بتنزيل الكلام ملقّن # ذكور لما سدّاه أول أولا
يبذّ قريع القوم في كل محفل # و إن كان سحبان الخطيب و دغفلا
ترى خطباء الناس يوم ارتجاله # كأنهم الكروان عاين أجدلا
الكروان: جمع كروان، و هو ذكر الحبارى. و الأجدل: الصقر و كان يقارض شبيب بن شيبة، لاجتماعهما على القرابة و المجاورة و الصناعة، فذكر شبيب مرة عنده فقال: «ليس له صديق في السر، و لا عدو في العلانية» . و هذا كلام ليس يعرف قدره إلا الراسخون في هذه الصناعة.
[١] العرد: الحمار.
[٢] حول كريت: تام.