البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٢٨ - عودة إلى المفاضلة بين الصمت و الكلام
و أبين الكلام كلام اللّه، و هو الذي مدح التبيين و أهل التفصيل. و في هذا كفاية إن شاء اللّه.
و قال دغفل بن حنظلة: إن للعلم أربعة: آفة، و نكدا، و إضاعة، و استجاعة. فآفته النسيان، و نكده الكذب، و إضاعته وضعه في غير موضعه، و استجاعته أنك لا تشبع منه.
و إنما عاب الاستجاعة لسوء تدبير أكثر العلماء، و لخرق سياسة أكثر الرواة، لأن الرواة إذا شغلوا عقولهم بالازدياد و الجمع، عن تحفظ ما قد حصلوه، و تدبّر ما قد دونوه، كان ذلك الازدياد داعيا إلى النقصان، و ذلك الربح سببا للخسران. و جاء في الحديث: «منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم، و منهوم في المال» .
و قالوا: علم علمك، و تعلم علم غيرك، فإذا أنت قد علمت ما جهلت، و حفظت ما علمت.
و قال الخليل بن أحمد: اجعل تعلمك دراسة لعلمك، و اجعل مناظرة المتعلم تنبيها على ما ليس عندك.
و قال بعضهم-و أظنه بكر بن عبد اللّه المزنيّ-: لا تكدّوا هذه القلوب و لا تهملوها، فخير الفكر ما كان عقب الجمام، و من أكره بصره عشي. و عاودوا الفكرة عند نبوات القلوب، و اشحذوها بالمذاكرة، و لا تيأسوا من إصابة الحكمة إذا امتحنتم ببعض الاستغلاق، فإن من أدام قرع الباب ولج.
و قال الشاعر:
إذا المرء أعيته السيادة ناشئا # فمطلبها كهلا عليه شديد
و قال الأحنف: «السؤدد مع السواد» . و تقول الحكماء: «من لم ينطق بالحكمة قبل الأربعين لم يبلغ فيها» . و أنشد: