البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٧ - مقدمة عامة
الجزء الثالث من القول في البيان و التبيين، و ما شابه ذلك من غرر الأحاديث، و شاكله من عيون الخطب، و من الفقر المستحسنة، و النتف المستخرجة، و المقطعات المتخيرة، و بعض ما يجوز في ذلك من أشعار المذاكرة و الجوابات المنتخبة» .
و هكذا نلفي في كل جزء من أجزاء الكتاب الثلاثة بحثا في البيان و التبيين، و مجموعات من الأحاديث و الخطب و المقطعات و الجوابات و الأشعار.
و لقد التزم الجاحظ هذا التصميم و قصد إليه قصدا ليجنب القارئ الملل أو السأم بتنويع الموضوعات. و قد عبّر عن ذلك بقوله: «وجه التدبير في الكتاب إذا طال أن يداوي مؤلفه نشاط القارئ له، و يسوقه إلى حظه بالاحتيال له، فمن ذلك أن يخرجه من شيء إلى شيء و من باب إلى باب، بعد أن لا يخرجه من ذلك الفن، و من جمهور ذلك العلم» [١] .
بهذا برر الجاحظ طرقه الموضوعات ذاتها في كل جزء من أجزاء الكتاب. فموضوع علم البيان و فلسفة اللغة توزع على الأجزاء الثلاثة: في الجزء الأول تحدث عن مفهوم البيان و أنواعه، و آفات اللسان، و البلاغة و الفصاحة. و في الجزء الثاني تحدث عن الخطابة و طبقات الشعراء. و في الجزء الثالث تكلم على أصل اللغة و قيمة الشعر. و في كل جزء من الأجزاء الثلاثة أورد أبو عثمان منتخبات من كلام الأبيناء، خطبا و مقطعات و أحاديث و رسائل و أشعارا، نسبها إلى مختلف طبقات الناس: عقلاء و حمقى، نساك و متهتكين، أعراب و متحضرين، رؤساء و سوقة. و إذا سئل الجاحظ: لم لم تجمع كلامك على البيان و فلسفة اللغة في مكان واحد من الكتاب؟و لم لم تضم أخبار الزهاد و النساك و أقوالهم في باب واحد و لم وزعت أخبار النوكى و أقوالهم على الأجزاء الثلاثة، و لم عدت إلى الكلام على الخطابة و الخطباء مرارا و بعثرت خطبهم هنا و هناك الخ ردد صاحبنا الجواب ذاته و اعتل بالعلة ذاتها.
[١] الجاحظ، البيان و التبيين، ج ٣ ص ٦٤، (طبعة دار الفكر للجميع، بيروت، ١٩٦٨) .