البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٦ - مقدمة عامة
و الخفيف و الثقيل. و من حيث الفصاحة يوجد ثلاث مراتب: الغريب الوحشي، و الفصيح، و السوقي المبتذل. و خيرها اللفظ الفصيح الذي يقع وسطا بين الغريب الوحشي و السوقي المبتذل «و كما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا و ساقطا سوقيا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا إلا أن يكون المتكلم بدويا أعرابيا، فإن الوحشي من المتكلم يفهمه الوحشي من الناس كما يفهم السوقي رطانة السوقي... » [١] .
و من صفات اللفظ الفصيح توافق الحروف ضمن الكلمة الواحدة. و قد لاحظ أبو عثمان أن في العربية حروفا لا تجتمع، فالجيم لا تقارن الطاء و لا القاف و لا الغين في تقديم أو تأخير، و الزاي لا تقارن الطاء أو السين أو الضاد أو الدال بتقديم أو تأخير [٢] .
و تقتضي الفصاحة أيضا عدم تنافر الكلمات ضمن الجملة الواحدة. و إذا تنافرت الألفاظ صعب النطق بها و بدت غير متلائمة و غير متوافقة. من ذلك قول الشاعر:
و قبر حرب بمكان قفر # و ليس قرب قبر حرب قبر
و قد ظن البعض لجهلهم بعلم البلاغة أن هذا البيت من أشعار الجن لأن المرء لا يستطيع إنشاده ثلاث مرات في نسق واحد دون أن يتعتع أو يتلجلج [٣] .
و مقياس الفصاحة في نظر الجاحظ القرآن و كلام الأعراب، إذ فيهما تحققت الفصاحة بأعلى مستوياتها، فاعتبرا المثال الأعلى للكلام الفصيح.
فكل كلام أشبههما عدّ فصيحا، و كل كلام اختلف عنهما نأى عن الفصاحة.
يقول الجاحظ مشيرا إلى ذلك: «قال أهل مكة لمحمد بن مناذر الشاعر:
[١] المصدر ذاته، ج ١، ص ١٠٠-١٠١.
[٢] المصدر ذاته، ج ١، ص ٥١.
[٣] المصدر ذاته، ج ١، ص ٤٨-٤٩.