البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٦٨ - ذم فضول الكلام و مدح الصمت
و قال أفنون التغلبي:
لو أنني كنت من عاد و من إرم # ربيت فيهم و لقمان و ذي جدن
و قال الآخر [١] :
ما لذة العيش و الفتى # للدهر و الدهر ذو فنون
أهلك طسما و قبل طسم # أهلك عادا و ذا جدون
و أهل جاس و مأرب بعـ # د حيّ لقمان و التقون
و اليسر للعسر، و التغنّي # للفقر، و الحي للمنون
[ذم فضول الكلام و مدح الصمت]
قال: و هم و إن كانوا يحبون البيان و الطلاقة، و التحبير و البلاغة، و التخلص و الرشاقة، فإنهم كانوا يكرهون السلاطة و الهذر، و التكلف، و الإسهاب و الإكثار، لما في ذلك من التزيد و المباهاة، و اتباع الهوى، و المنافسة في الغلو. و كانوا يكرهون الفضول في البلاغة، لأن ذلك يدعو إلى السّلاطة، و السلاطة تدعو إلى البذاء. و كل مراء في الأرض فإنما هو من نتاج الفضول.
و من حصّل كلامه و ميزه، و حاسب نفسه، و خاف الإثم و الذم، أشفق من الضراوة و سوء العادة، و خاف ثمرة العجب و هجنة النفج، و ما في حب السمعة من الفتنة، و ما في الرّياء من مجانبة الإخلاص.
و لقد دعا عبادة بن الصامت بالطعام، بكلام ترك فيه المحاسنة، فقال شدّاد بن أوس [٢] : إنه قد ترك فيه المحاسنة، فاسترجع ثم قال: «ما تكلمت بكلمة منذ بايعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلا مزمومة مخطوطة» .
[١] نسبت الأبيات إلى سليمان بن ربيعة بن عامر بن ثعلبة.
[٢] شداد بن أوس بن ثابت الخزرجي، ابن أخي حسان بن ثابت، كان عالما حليما.