البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٤٨ - الفصاحة و اللحن
و قد فهمنا معنى قول أبي الجهير الخراساني النخاس، حين قال له الحجاج أ تبيع الدواب المعيبة من جند السلطان؟قال: «شريكاننا في هوازها، و شريكاننا في مداينها. و كما تجيء نكون» . قال الحجاج: ما تقول، ويلك! فقال بعض من قد كان اعتاد سماع الخطأ و كلام العلوج بالعربية حتى صار يفهم مثل ذلك: يقول: شركاؤنا بالأهواز و بالمدائن يبعثون إلينا بهذه الدواب، فنحن نبيعها على وجوهها.
و قلت لخادم لي: في أي صناعة أسلموا هذا الغلام؟قال: «في أصحاب سند نعال» يريد: في أصحاب النعال السندية. و كذلك قول الكاتب المغلاق للكاتب الذي دونه: «اكتب لي قل خطين و ريحني منه» .
فمن زعم أن البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل، جعل الفصاحة و اللكنة، و الخطأ و الصواب، و الاغلاق و الإبانة، و الملحون و المعرب، كله سواء، و كله بيانا. و كيف يكون ذلك كله بيانا، و لو لا طول مخالطه السامع للعجم و سماعه للفاسد من الكلام، لما عرفه. و نحن لم نفهم عنه إلا للنقص الذي فينا. و أهل هذه اللغة و أرباب هذا البيان لا يستدلون على معاني هؤلاء بكلامهم كما لا يعرفون رطانة الرومي و الصقلبي، و إن كان هذا الاسم إنما يستحقونه بأنّا نفهم عنهم كثيرا من حوائجهم. فنحن قد نفهم بحمحمة الفرس كثيرا من إرادته. و كذلك الكلب، و الحمار، و الصبي الرضيع.
و إنما عنى العتابي إفهامك العرب حاجتك على مجاري كلام العرب الفصحاء. و أصحاب هذه اللغة لا يفقهون قول القائل منا: «مكره أخاك لا بطل» . و: «إذا عز أخاك فهن» . و من لم يفهم هذا لم يفهم قولهم: ذهبت إلى أبو زيد، و رأيت أبي عمرو. و متى وجد النحويون أعرابيا يفهم هذا و أشباهه بهرجوه و لم يسمعوا منه، لأن ذلك يدل على طول إقامته في الدار التي تفسد اللغة و تنقص البيان. لأن تلك اللغة إنما انقادت و استوت، و اطردت و تكاملت، بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة، و في تلك الجيرة.
و لفقد الخطأ من جميع الأمم.