البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١١٧ - جهارة الصوت و التشديق في الخطب
أرض تخيّرها لطيب مقيلها # كعب بن مامة و ابن أمّ دواد
جرت الرياح على محلّ ديارهم # فكأنهم كانوا على ميعاد
فأرى النعيم و كلّ ما يلهى به # يوما يصير إلى بلى و نفاد
و قال أبو الحسن: خطب عبيد اللّه بن الحسن [١] على منبر البصرة في العيد و أنشد في خطبته:
أين الملوك عن حظّها غفلت # حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
تلك المدائن بالآفاق خالية # أمست خلاء و ذاق الموت بانيها
قال: و كان مالك بن دينار يقول في قصصه: «ما أشد فطام الكبير» .
و هو كما قال القائل:
و تروض عرسك بعد ما هرمت # و من العناء رياضة الهرم
و مثله أيضا قول صالح بن عبد القدوس:
و الشيخ لا يترك أخلاقه # حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله # كذي الضنى عاد إلى نكسه
و قال كلثوم بن عمرو العتابيّ:
و كنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدى # بلغت بأدنى نعمة تستديمها
و لكن فطام النفس أثقل محملا # من الصخرة الصماء حين ترومها
[جهارة الصوت و التشديق في الخطب]
و كانوا يمدحون الجهير الصوت، و يذمون الضئيل الصوت، و لذلك تشادقوا في الكلام، و مدحوا سعة الفم، و ذموا صغر الفم.
[١] عبيد اللّه بن الحسن العنبري البصري قاضي و فقيه و محدث توفي في البصرة عام ١٦٨ هـ.