البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٦٥ - الخطباء الشعراء
و دل في هذه القصيدة على أنه كان قصيرا بقوله:
نهى ظراف الغواني عن مواصلتي # ما يفجأ العين من شيبي و من قصري
و من الخطباء الشعراء الذين قد جمعوا الشعر و الخطب، و الرسائل الطوال و القصار، و الكتب الكبار المخلدة، و السير الحسان المدونة، و الأخبار المولدة: سهل بن هارون بن راهيوني [١] الكاتب، صاحب كتاب ثعلة و عفرة، في معارضة كتاب كليلة و دمنة، و كتاب الإخوان و كتاب المسائل، و كتاب المخزومي و الهذلية، و غير ذلك من الكتب.
و من الخطباء الشعراء علي بن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة، و يكنى أبا الحسن و سنذكر كلام قس بن ساعدة و شأن لقيط بن معبد، و هند بنت الخس، و جمعة بنت حابس، و خطباء إياد، إذا صرنا إلى ذكر خطباء القبائل إن شاء.
اللّه.
و لإياد و تميم في الخطب خصلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هو الذي روى كلام قس بن ساعدة و موقفه على جمله بعكاظ و موعظته، و هو الذي رواه لقريش و العرب، و هو الذي عجب من حسنه و أظهر من تصويبه. و هذا إسناد تعجز عنه الأماني و تنقطع دونه الآمال. و إنما وفق اللّه ذلك الكلام لقس بن ساعدة لاحتجاجه للتوحيد، و لإظهاره معنى الإخلاص و إيمانه بالبعث. و لذلك كان خطيب العرب قاطبة.
و كذلك ليس لأحد في ذلك مثل الذي لبني تميم، لأن النبي عليه السلام لما سأل عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر [٢] قال: «مانع لحوزته، مطاع في أدنيه» . فقال الزبرقان: «أما إنه قد علم أكثر مما قال، و لكنه حسدني شرفي» . فقال عمرو: «أما لئن قال ما قال فو اللّه ما علمته إلا ضيق الصدر،
[١] سهل بن هارون: أديب فارسي الأصل شعوبي المذهب اتصل بالمأمون و عمل في بيت الحكمة. و قد نسب إليه الجاحظ رسالة في مدح البخل ضمنها كتابه «البخلاء» .
[٢] عمرو بن الأهتم و الزبرقان بن بدر من سادات تميم وفدا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كلماه من وراء الحجرات. عرفا باللسن و البلاغة و الخطابة و الشعر.