البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٥٦ - هند بنت الخس و جمعة بنت حابس
و قال عامر بن عبد اللّه الفزاريّ جمع بين هند و جمعة، فقيل لجمعة: أي الرجال أحب إليك؟فقالت: «الشنق الكتد [١] ، الظاهر الجلد، الشديد الجذب بالمسد» . و قيل لهند: أي الرجال أحب إليك؟قالت: «القريب الأمد، الواسع البلد، الذي يوفد إليه و لا يفد» .
و قد سئلت هند عن حر الصيف و برد الشتاء، فقالت: «من جعل بؤسا كأذى» و قد ضرب بها المثل. فمن ذلك قول ليلى بنت النّضر الشاعرة:
و كنز بن جدعان دلالة أمّه # و كانت كبنت الخسّ أو هي أكبر
و قال ابن الأعرابي: يقال بنت الخس، و بنت الخص، و بنت الخسف و هي الزرقاء. و قال يونس: لا يقال إلا بنت الأخسّ.
و قال أبو عمرو بن العلاء: داهيتا نساء العرب هند الزرقاء، و عنز الزرقاء، و هي زرقاء اليمامة.
و قال اليقطريّ: قيل لعبد اللّه بن الحسن: ما تقول في المراء؟قال: ما عسى أن أقول في شيء يفسد الصداقة القديمة، و يحلّ العقدة الوثيقة، فإن أقل ما فيه أن يكون دربة للمغالبة، و المغالبة من أمتن أسباب الفتنة إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لما أتاه السائب بن صيفي فقال: أ تعرفني يا رسول اللّه؟قال: «كيف لا أعرف شريكي الذي كان لا يشاريني و لا يماريني» . قال: فتحولت إلى زيد بن علي فقلت له: الصمت خير أم الكلام؟قال: أخزى اللّه المساكتة، فما أفسدها للبيان، و أجلبها للحصر. و اللّه للمماراة أسرع في هدم العيّ من النار في يبيس العرفج، و من السيل في الحدور.
و قد عرف زيد أن المماراة مذمومة، و لكنه قال: المماراة على ما فيها أقل ضررا من المساكتة التي تورث البلدة، و تحل العقدة، و تفسد المنّة، و تورث عللا، و تولّد أدواء أيسرها العيّ. فإلى هذا المعنى ذهب زيد.
[١] الشنق: الطويل. الكتد: أعلى الكتف.