البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ١٥ - مقدمة عامة
رسول اللّه، انزع ثنيتيه السفليين حتى يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا أبدا، و إنما قال ذلك لأن سهيلا كان أعلم من شفته السفلى» [١] .
و أثر الأسنان في البيان أوضح و أقوى، فسقوط بعض الثنايا يشوه اللفظ و خير من سقوطها جميعا إذا استحال وجودها جميعا. و تدل الملاحظة و التجربة «على أن سقوط جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف، منه إذا سقط أكثرها، و خالف أحد شطريها الشطر الآخر، و قد رأينا تصديق ذلك في أفواه قوم شاهدهم الناس بعد أن سقطت جميع أسنانهم و بعد أن بقي منها الثلث أو الربع» [٢] .
أما اللسان فهو آلة الكلام الرئيسية، و كلما كان سليما جاء اللفظ صحيحا، و كلما ازداد حجمه بحيث يصك جوانب الفم و يملأه لم يترك خلاء لمرور الهواء كان أوفى بالغاية. و في هذا الرأي يوافق الجاحظ الفيلسوف اليوناني أرسطو، و يطبق ذلك على الإنسان و الحيوان. يقول الجاحظ: «و قال أهل التجربة، إذا كانت في اللحم الذي في مغارز الأسنان تشمير و قصر سمك ذهبت الحروف و فسد البيان، و إذا وجد اللسان من جميع جهاته شيئا يقرعه و يصكه، و لم يمر في هواء واسع المجال و كان لسانه يملأ جوبة فمه، لم يضره سقوط أسنانه إلا بالمقدار المغتفر، و الجزء المحتمل. و يؤكد ذلك قول صاحب المنطق، فإنه زعم في كتاب الحيوان أن الطائر و السبع و البهيمة كلما كان لسان الواحد منها أعرض كان أفصح و أبين و أحكى لما يلقن و لما يسمع كنحو الببغاء و الغداف و غراب البين و ما أشبه ذلك... » [٣] .
و يقسم الجاحظ اللفظ إلى طبقات كما ينقسم الناس أنفسهم إلى طبقات فمنه الجذل و السخيف، و منه المليح و الحسن، و منه القبيح و السمج،
[١] المصدر ذاته، ج ١، ص ٤٤.
[٢] المصدر ذاته، ج ١، ص ٤٦.
[٣] المصدر ذاته، ج ١، ص ٤٦-٤٧.