البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٣ - مقدمة عامة
و اهتمام الجاحظ بالزهاد لا يدل على رضاه عنهم أو تأييد مذهبهم فلقد كان ينتقدهم نقدا لاذعا و يرميهم بالهروب من العمل و اللجوء إلى التواكل و الكسل. و يعتبر تصرفاتهم لا تمت إلى الإيمان بصلة و لا تزيد فيه شيئا. و يعكس رأيه فيهم قول أعرابي ذكر عنده رجل «بشدة الاجتهاد و كثرة الصوم و طول الصلاة فقال: هذا رجل سوء، أو ما يظن هذا أن اللّه يرحمه حتى يعذب نفسه هذا التعذيب؟» [١] .
أما الشعوبية فتعني تعصب كل شعب لقوميته و حضارته، و بغض العرب، و قد اشتدت هذه الحركة في العصر العباسي و لا سيما الزمن الذي عاش فيه الجاحظ، و نجمت عن تعدد الشعوب التي ضمها المجتمع العباسي من فرس و زنج و روم و هنود إلى جانب العرب الذين يمثلون الأمة الحاكمة. فكانت محاولة هذه الشعوب إثبات وجودها و الادلال بمآثرها و حضاراتها و البرهنة أن العرب ليسوا أفضل من سائر الأمم بل هم دونها شأنا.
و قد أعار الجاحظ الحركة الشعوبية اهتماما كبيرا فتحدث عنها في كتب عديدة: الحيوان، رسالة النابتة، رسالة فضل السودان على البيضان، رسالة الترك و عامة جند الخلافة، و كتاب البيان و التبيين. و لا يهمنا في هذه المقدمة سوى ما ورد حولها في كتاب البيان و التبيين.
خصّص الجاحظ للشعوبية قسما من الجزء الثالث عنوانه كتاب العصا، أورد فيه مطاعن الشعوبية على العرب و الرد عليها. لقد طعنت الشعوبية على العرب أخذهم المخصرة عند إلقاء الخطب. و احتجت بقولها إنه لا يوجد بين العصا و الخطبة سبب، و أن العصا لم توجد للخطابة بل للقتال أو الهش على المواشي. و أنها لا تنفع الخطيب في شيء، و هي تلهي السامع. و العرب قوم رعاة اعتادوا على حمل العصا في رعي مواشيهم فنقلوا تلك العادة إلى خطابتهم.
و طعنت الشعوبية على العرب ضعف ملكتهم الخطابية، و قالت إنهم لا يضاهون الفرس و اليونان و الهنود في مضمار الخطابة و البلاغة. و الدليل على
[١] الجاحظ، البيان و التبيين، ج ٢، ص ١٣٥.