البيان و التبيين - الجاحظ - الصفحة ٢٢ - مقدمة عامة
و قد سبق علماء التربية في العصر الحديث إلى دراسة تعددية اللغة و أدرك قبل جان جاك روسو و دكرولي أن اجتماع لغتين أو أكثر على لسان واحد يسيء إليهما معا فلا يستطيع المتكلم بهما أن يتضلع منهما أو يأمن تنازعهما إياه [١] .
و معنى ذلك أن اللغة الأم تشكل طريقة التفكير لدى الطفل الذي يكتسب اللغة، و ليس للفكر سوى طريقة واحدة. و إذا حاولنا تعليمه لغتين أو أكثر تنازعت هذه اللغات السيطرة على تفكيره و نافست اللغات الأخرى في أن تكون هي طريقة التفكير عنده. و لذا نصح دكرولي بأن لا نعلم الطفل قبل العاشرة سوى لغته الأم خشية أن تحل محلها لغة أجنبية أخرى.
عدا البيان و فلسفة اللغة عالج الجاحظ في كتابه موضوعين آخرين هما الزهد و الشعوبية.
و قد استأثرت حركة الزهد باهتمام الجاحظ فتكلم عليها في أجزاء الكتاب الثلاثة. في الجزء الأول أورد مجموعة من مواعظ النساك، و في الجزء الثاني ذكر أسماء الزهاد الذين عرفوا بالبيان أمثال عامر بن عبد القيس، وصلة ابن أشيم، و عثمان بن أوحم، و مؤرق العجلي، و مالك بن دينار، و يزيد الرقاشي، و رابعة القيسية، و معاذة العدوية، و أم الدرداء الخ. كما أتى على ذكر بعض المتصوفة أمثال هاشم الأوقص، و أبي هاشم الصوفي، و صالح بن عبد الجليل. و في الجزء الثالث كرس للزهد بابا واسعا أثبت فيه قدرا كبيرا من أقوالهم و مواعظهم؛ و أهم هؤلاء الزهاد الحسن البصري الذي أكثر من ذكر أقواله و مواعظه؛ ثم أبو حازم الأعرج، و أبو عبد الحميد، و عمر بن عبد العزيز، و عمرو بن عبيد أحد مؤسسي الاعتزال، و علي بن أبي طالب، و محمد الباقر. و لا ينسى الشعراء الذين نظموا أشعارا في الزهد أمثال أبي العتاهية و أبي نواس و الطرماح بن حكيم.
[١] المصدر ذاته، ج ١، ص ٧٧.